الصفحة 12 من 15

أما النطق بالشهادتين مع التردّي في هذه البؤر الخبيثة الموجبة للردة، ومع عدم الإقلاع عنها والتبرؤ منها والندم عليها؛ هذه الشهادة على تلك الحال لا تنفع صاحبها شيئًا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؛ لأن الشهادتين إنما كانتا دليلًا على الإسلام باعتبار أنهما عقد بين العبد وربه على احترام أحكام دينه، والرضا عنه وعن تشريعه، وعدم تخطيه إلى شريعة أخرى، فإذا قامت قرينة ظاهرة تدل على عدم الإذعان لمقتضى هاتين الشهادتين لم يُقبل إسلام من نطق بهما، كمن يقول كلمة التوحيد وهو يسجد لصنم، وكمن يقول: أنا أؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وهو يهين كتاب الله.

فما بالك بالتجنس الآنف وهو جريمة متألفة -كما علمت- من أربع جرائم كل منها يكفي قرينة ظاهرة تدل على عدم الإذعان لكلمة الإسلام، وعلى ترك القيام بحقها، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من قال الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61] .

إن الله تعالى سمى أمثال هؤلاء منافقين، واعتبرهم أشد من الكفار الظاهرين، وقال فيهم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] ، وفضحهم أشنع الفضيحة في سورة التوبة، ونهى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- أن يصلي على أحد منهم مات أبدًا أو أن يقوم على قبره، مع أنهم كانوا يصلون بصلاة رسول الله، وكانوا يقفون في صف الجهاد معه، وكانوا يظهرون خضوعهم لأحكام الله، فكيف أنت هؤلاء المتجنسين الذين رضوا بالوقوف في صف الجهاد مع فرنسا ولو ضد الإسلام، وأظهروا التبرؤ والانسلاخ من أحكام الله، وضووا علانية تحت قانون ضد دين الله.

إن أمثال هؤلاء زنادقة لم يكفهم أن يخرجوا من الإسلام ومن زمرة المسلمين، بل زادوا على ذلك بأن استخفوا بالإسلام وبالمسلمين، فهم أشد ممن قال الله فيهم: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 14 - 16] .

نعم زنادقة اليوم أشد من منافقي الأمس؛ لأن أولئك كانوا يتسترون في انضمامهم إلى العدو، وكانوا يستحبون أن يقولوا لشياطينهم إنا معكم إلا حين يخلون إليهم، أما مرتدو اليوم فقد انسلخوا عن الإسلام في جرأة، وناصروا العدو في عقد مكتوب محكم لا يسمح لهم ولا يسمحون هم لأنفسهم أن يرجعوا عنه يومًا، أو يتهاونوا في احترام نصوصه أبدًا، وأن الله تعالى يقول: {} ، وأن الرسول -صلى الله عليه و سلم- يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت