الصفحة 14 من 29

المبحث الأول

البعد عن القرآن

مما علم أن أفضل القرون في حياة هذه الأمة المسلمة كان في غضون الثلاثة القرون الأولى كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله:"خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الين يلونهم .. إلخ:، حيث تمثلو ا الدين الصحيح بصفائه ونقائه، وحملوه للآخرين كما تلقوه؛ وذلك لقرب عهدهم بالوحي وزمن الرسالة السماوية، وإبان انتهاء تلك القرون المفضلة دب الخلل، وحدثت البدع، ووجدت الفرقة والاختلاف نتيجة بعدهم عن الوحي المنزل زمنيًا من جهة، والبعد عن التلقي من معينه الصافي مع وجوده بين ظهرانيهم من جهة أخرى، وإن كان الخلاف قبل ذلك موجودًا، وحصلت بعض البدع كالقدرية، والخوارج، إلا أنها كانت تصطدم بالجبال الرواسي من الصحابة وتابعيهم، ولم يكن لها ذلك التأثير البليغ كما حصل لها بعد ذلك، فهذا عامل رئيس لعدم التمسك بالوحي المنزل من رب العالمين، وعاقبة آلت إليها بعد ذلك."

فالبعد الزمني عن زمن الوحي له دور في التفلت من التمسك به، كذلك بعدهم عن مشربه ومعينه الصافي أثَّر تأثيرًا بليغًا، ومثَّل عائقًا للاعتصام بهذا الوحي الكريم، ثم جاءت بعد بدعة القدرية والخوارج بدعت المرجئة ردت فعل للخوارج، تبرر لواقع المسلمين مخالفتهم للوحي، فالخوارج جعلوا كل من يقع في معصية أو مخالفة شرعية خارجًا عن الدين، وحجروا على الناس في دينهم، فكان خطئًا جللًا، ولا يقل عنه خطأ المرجئة، حيث لم يجعلوا للتمسك بأوامر الشريعة مكانة في نفوس الناس وقلوبهم، فهاتان ظاهرتان تمثلان البعد عن منهج الوحي، فكان لهذين الفكرين الغاليين أثر بالغ على واقع الأمة اليوم.

إننا عندما ندرس مظاهر البعد عن منهج الوحي، الذي يمثل عائقًا عن التمسك به، نجده يتجلى في مظاهر عدة، ولعل من أهمها ما يلي:

-الإعراض عن سماع القرآن الكريم وعدم الإصغاء له، والاتجاه صوب كلام والحان البشر، وغدا الناس يتسابقون على سماع المطربين، وأصبحت القصائد الشعرية، والأمسيات الثقافية تطغى على المسامع، وتجوب النوادي، ولم يكن للقرآن الكريم نصيب وافر منها، فكان مظهرا بارزا من مظاهر الإعراض، وبعدًا ساحقًا لهذا الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت