الصفحة 21 من 29

علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء قال: فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى. وذكر منها أيضا: اتباع الهوى: وهي التي نبه عليها قوله تعالى:"فأما الذين في قلوبهم زيغ" [آل عمران:7] ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى، وقوله تعالى:"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" [القصص:50] ، وقوله:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم" [الجاثية:23] . فالهوى مطية إبليس، وبحر يخوض فيه المفاليس، لم يكن يوما منقبةً لصاحبه، ولم يجلب إلا الفرقة والاختلاف، والبعد عن منهج الله تعالى، وأضحى صنمًا يُعبد من دون الله تعالى يتألهه أهل البدع والشهوات، وأصحاب المجون والفسوق،"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"الجاثية.

المبحث الثالث

الغلو

إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا الدين لهذه الأمة المحمدية، وأراد منها أن تفهمه كما أراده هو بلا إفراط ولا تفريط، فإن الإفراط ينتهي بصاحبه إلى الغلو، والتفريط ينتهي بصاحبه إلى الانحلال من الشريعة الغراء، وهما يخرجان هذا الدين عن طبيعته وسمته.

إذ الطبيعة والسمة التي جعلها الله -تعالى- لأمة محمد -عليه الصلاة والسلام- الوسطية، فهي صفة تلازمها، والغاية منها فهم الدين فهمًا يتناسق ويتماشى مع العصر الذي تعيشه الأمة دون إخلال في الأصول، أو الفروع، فالعبد مأمور بأن يستقيم كما أمره خالقه وأن لا يطغى، ومع أن هذا الأمر فيه مشقة وجهد إلا أنه يجب أن يراعيه العبد حينئذ، فمن السهل أن يتجاوز الإنسان الحد، ومن السهل كذلك أن ينخلع من بعض التكاليف، إلا أن من الصعوبة بمكان أن يلزم المرء الطريق السوي ولا يحيد عنها، ولذلك يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:"شيبتني هود وأخواتها"، لأن الله توجه إليه بالأمر بأن يستقيم كما أمره وأن لا يطغى ولا يزيد، وأن يحسن، ويمضي في هذا المنهج بدون انحراف، فقال تعالى:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير"، فكان سببًا لأن يشتعل شيبًا من جراء سماعه لهذا التوجيه الرباني القويم.

يقول ابن جرير في تأويل هذه الآية -بأن الله يأمر نبيه بقوله-: (فاستقم أنت يا محمد على أمر ربك والدين الذي ابتعتك به والدعاء إليه ... وقوله تعالى:"ولا تطغوا"، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت