فهرس الكتاب
كان تفكيره منشغلا كيف يجلس على سجادة مفروشة في منزله ويسكن غيره من المجاهدين والمهاجرين في الخيام تحت السيول والأمطار؟ كان يحاول أن يرتقي بأهله وأولاده إلى مقام الزاهدين وأن يعيشوا حياة المجاهدين.
إن مما يلفت النظر في شخصية الشهيد عزام أنه كان يكره الأنانية وحب الذات، بل كان يعتبر هذا مرضا عضالا يصيب القلوب ويجرحها، بل ويقود صاحبها في النهاية إلى احتقار الآخرين وازدرائهم حتى يظهر نفسه عليهم، فتمتلىء القلوب بالحسد والحقد والهوى والرياء.
لقد كانت نفسية الشهيد عزام نفسية إسلامية تكره العوج، وتعتبر أن العامل المحرك للنفس البشرية في الطاعة والتضحية هو الحب في الله والبغض في الله، كما كان يكره الإعجاب بالرأي.
إن إنكار الإمام الشهيد لذاته وبعده عن الانانية تظهر بصورة واضحة في رفضه لما عرض عليه يوم أن أجمعت الدنيا كلها على الجهاد الأفغاني واحيطت المؤامراة بالشهيد من كل اتجاه يوم مؤامرة جنيف على الجهاد الأفغاني، فجاءه بعض أصحابه يعرض عليه عرضا سخيا بأن يصبح مديرا لجامعة إسلامية حتى يحميه من هذه المؤامرة، وهو يحس صدق الرجل ومحبته له، ولكن إنكار الذات جعله يرفض ذلك في ترك ساحة الجهاد في أ فغانستان وترك المجاهدين يتصارعون مع الموت، ويواجهون المؤامرات التي تحاك ضدهم من كل جانب، ولم يغادر أرض الجهاد، بل صرح لهذ الرجل الطيب أكثر من هذا فقال: (لن أغادر أرض الجهاد إلا مقتولا في أرض أفغانستان أو في بيشاور أو أحدد بالقيود والسلاسل وأطرد من باكستان) ، وبالفعل أصر وبقي في ساحة الجهاد رغم التهديدات المتكررة التي كانت توجه إليه.
وهناك أمر آخر يدلك على إنكاره لذاته وتقديمه مصلحة الجماعة على مصلحته الشخصية ; يوم أن تعرض للفصل من وظيفته أراد مجموعة من المدرسين أن يتعاضدوا معه، فقرروا أن يقدموا استقالة جماعية يعبرون فيها عن غضبهم واستنكارهم لهذا القرار الجائر بحق الشهيد، ولكنه رفض ذلك وقال لهم: يفصل واحد أفضل من أن تفصلوا جميعا، وغدا يذهبون ويتعاقدون مع مجموعة من حملة الأوراق المزورة الذين يبيعون دينهم بعرض من الحياة الدنيا.
وقد تناسى الإمام الشهيد نفسه في هذا المقام وقدم مصلحة الدعوة والجماعة على مصلحته الشخصية.