ويمكن تفسير منهج الإجمال هاهنا أنّ الأبواب الأولى من الكتاب بمثابة مداخل النحو الكبرى، وإشارة إلى المفردات الأولى في علم الكلم من العربية، أو هي مخارج للظواهر ولطريقة توالدها لا استقصاء عددها وأفرادها وآحادها [1] . وعلى هذا كانت فكرة الباب عند سيبويه عبارة عن بنية مجردة ومشتملة على قواعد الباب وأصوله، أمّا التفريعات بعد تقديم الباب العام فهي ملحقات وأبواب متحدرة من الباب الأصلي. «والباب لا يخص مستوى من مستويات اللّغة ولا جانبا من جوانبها بل ينطبق على اللفظ والمعنى إفرادا وتركيبا وما هو أعلى من هذه المراتب، فالباب هو مجموعة من العناصر تنتمي إلى فئة أو صنف وتجمعها بنية واحدة» [2] . ففكرة الباب عند سيبويه غير محددة «في صورة المفهوم أو المعاني المشتركة أو النمط النحوي ... بل هو (الباب) المجموعة التي تنضوي تحتها سلسلة المفاهيم النحوية/ الصرفية/ الدلالية، وتشملها قاعدة مشتركة مطردة ... إن الباب يعني به الأمر الرياضي البحت كونه نموذجا منطقيا يستعمل لرصد مجموعة من العمليات التي تملك فيما بينها علائق معينة وهو إبداع عقلي مصطنع يفترض ملاءمته لمقاربة اللّغة عن طريق التجريد البحت الذي هو آلية أساس تمكن اللّغة من أن يكون لها معنى عقلاني والخروج بالقواعد التي تنتظم تلك المجموعات التي تسمح بتوليد مجموعة لا متناهية، تملك عددا لا متناهيا من المتواليات النحوية التي تتحدد في اللّغات الطبيعية المشكلة للعلائق الواردة بين الأصول وبين العناصر المشتقة وهذا في الحقيقة مفهوم توليدي بحت» [3] . كما أنّ قواعد الباب اشتقت من لغة الاستعمال اليومي للمتكلم العربي المثالي، وهكذا يتخذ مفهوم الباب في الكتاب القاعدة الكلية التي تندرج تحتها الأجزاء والقضايا والأمثلة، ويُبنى الباب على الأمثلة والشواهد التي تحيل إلى النسق أو القاعدة، ويعزى هذا التفريع إلى إحساس صاحب الكتاب بضرورة الدقة في التصنيف، فاقتضى منه بناء كتابه على نظم مخصوص، أو نظام نظري يتكون من جمهرة من الأبواب يضم بعضها ببعض.
(1) - عبد الرحمن بودرع، الأساس المعرفي للغويات العربية، ص 87.
(2) -عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، الجزائر: 2007، منشورات المجمع الجزائري للغة العربية، ج 1، ص 318.
(3) - صالح بلعيد، الخليل بن أحمد عبقري العرب، كراسات مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللّغة العربية الجزائر: 2006، العدد:1، ص 49 - 50 - 51.