بالمخاطب، إلاّ أنّه قد تصيبه عوارض الاستعمال وهي عوامل جدّ طبيعية ولها قوانينها الخاصة بها وبالتالي قد تخضع لقياس آخر إذا كثرت واطردت» [1] . ولقد سعى سيبويه إلى تحليل وتفسير التراكيب اللغوية بتقدير أصولها وبيان فروعها، فإذا كان الإظهار أصلا فإنّ الإضمار وهو ضد الإظهار فرع. فسيبويه عندما يقنن قاعدة نحوية معينة في صورة أصل، كتقنين أن الجملة في العربية تتركب من مسند ومسند إليه متبادلين موقعيا لا ينسى أن يصف الوجوه الممكنة لتمثّل القاعدة، مدركا قضايا الاستعمال اللغوي من حذف وتقديم وتأخير وغيرها من القضايا السياقية التي تتعلق بالمتكلم المنجز الفعلي للحدث اللغوي.
2 -3 - اللّغة المنطوقة (spoken language) : تنطلق التداولية من اللّغة كونها استعمالا حيا، أي لغة منطوقة فعلا، ونقصد باللّغة المنطوقة: «لغة التخاطب اليومي التي نستخدمها في مجالات الحياة المختلفة، كما في عمليات البيع والشراء وفي الندوات الثقافية والعلمية وفي الحوار الذي يدور بين الأهل والأصدقاء [ ... ] وهي اللّغة التي نستعملها في أحاديث الصدق والكذب وفي إخفاء أفكارنا عن الآخرين ... » [2] وبتعبير أدق إن اللّغة المنطوقة هي الكلام، ولقد كان متصور اللّغة في مرحلة التنظير عند سيبويه مرتبطا الارتباط الشديد بالكلام، لأنّ اللّغة لا تدرك هويتها إلا انطلاقا من كل الإنجازات التي تمثل الكلام العربي «وتَدَخُلُ النحوي في هذا المنجز بالتنظير يعني محاولة نقل اللّغة من مفهوم الكلام إلى مفهوم اللسان بما هو جملة من القواعد والأحكام والمعايير» [3] ويمكن تمثيل ذلك كما يلي:
لغة ... كلام ... لسان
(1) - عبد الرحمن حاج الصالح،"ظواهر اللسان والتبليغ في منظور اللسانيات"، العدد: 4، مجلة في علم اللسان البشري (تصدرها جامعة الجزائر) : 1973 م/1974 م ص 38.
(2) - محمود سليمان ياقوت، التراكيب غير الصحيحة نحويا في (الكتاب) لسيبويه- دراسة لغوية، الإسكندرية: 2002 دار المعرفة الجامعية، ص 406.
(3) - توفيق قريرة، المصطلح النحوي وتفكير النحاة العرب، ط 1. تونس: 2003، دار محمد علي للنشر، ص 244.