-ومن قواعد القلّة والكثرة، أنّ الكثرة أصل محكم، ويتخرّج عليه، وأن الشيء إذا كثر في كلامهم كان له نحو ليس لغيره ممّا هو مثله، وأنّ الشواذ في كلامهم كثيرة، وأنّ الأقل نوادر تحفظ عن العرب ولا يقاس عليها ولكن الأكثر يقاس عليه [1] .
-ومن قواعد السّماع أنّه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام، وأنّ القراءة لا تخالف لأن القراءة السّنة [2] .
-ومن قواعد المعنى ما يتصل بمذاهب العرب في الكلام، «ومن كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام» [3] .
فهذه جملة من القواعد التي تعتبر عناوين الأبواب، ولم يؤت بها في هذا المقام، بشكل إحصائي، وإنّما جيء بها للاستدلال على طريقة النظر النحوي عند سيبويه في تجريد الأحكام من المسائل «وعلى صدور النحو عن مرتفق مكين ونظام محكم يصنف المفردات والظواهر إلى أصول ثابتة، متناولة قبلا بالوضع، وفروع متحدّرة منها ومتنامية تتولّد عنها ظواهر جديدة وتتوسّع، وتمتد إلى آفاق الاستعمال المختلفة التي تتنوع فيها مذاهب القول، ولكنّها تظل وفيّة لأوضاع الواضع ملتزمة بأقيسة غير تاركة أصله ولا ناسخة شرعه» [4] ، وذلك لأن الأصول- على حد تعبير الحاج صالح- هي بمنزلة المسلمات، والمعطيات عامة التي ينطلق منها الباحث فيحوّلها بعدد من العمليات بضوابط هي المثل هي نفسها أصول من هذه الحيثية [5] والقواعد التي سردناها سابقا -في الحقيقة- تتمثل في قواعد الاستعمال، «فالاستعمال له هو أيضا قوانينه وهي غير القوانين التي يخضع لها الوضع والقياس وهي التي تنبني عليه أحوال التبليغ وقد قلنا بأن مستوى التبليغ والإفادة غير مستوى الوضع المصطلح عليه، لأنّ هذا الأخير وإن كان هو الرابط الذي يرتبط به المتكلم
(1) - المصدر نفسه، ج 2، ص 115، 196، ج 4، ص 8.
(2) - المصدر نفسه، ج 1، ص 26، 148.
(3) - المصدر نفسه، ج 1، ص 51.
(4) - عبد الرحمن بودرع، الأساس المعرفي للغويات العربية، ص 122.
(5) - عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، ص 322.