وإلا لم أقل (قالت العرب) وأهل العالية أهل المدينة ومن حولها ومن يليها ودنا منها ... )) (1) ، والعجر من هوازن هم الذين يقال لهم عليا هوازن، وهي خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف (2) .
والى جانب ذلك ربطَ بعض العلماء العرب هذه المجتمعاتَ بفكرةِ البداوةِ والحضارة، فكلما كانت الوحدات المجتمعية بدويةً أو أقربَ إلى حياةِ البداوةِ كانت لغتُها أفصحَ والثقةُ بها أكبرَ وكلما كانت الوحدات المجتمعية متحضرةً أو أقربَ إلى حياةِ الحضارةِ كانت لغتُها محلَّ شكٍّ ومثارَ شبهةٍ لذلك تجنبوا الأخذَ عنها (3) ،وبات هذا الامر جليا و واضحا في نص الفارابي الذي يُعَدُّ في نَظَرِ بعض الدارسين وثيقةً مُهمةً (4) ، في تحديد القبائل التي يُستَشهَدُ بِكَلامِها والتي لا يُسْتَشْهَدُ بِكلامها، قال: (( كانت قريشٌ أجودَ العربِ انتقاءً للأفصحِ من الألفاظِ، وأسهلِها على اللسانِ عند النطقِ، وأحسنِها مسموعًا، وإبانةً عما في النفسِ، والذين عنهم نُقِلَت اللغةُ العربيةُ وبهم اقتُدي وعنهم أُخَذ اللسانُ العربيُّ من بين قبائلِ العربِ هم: قيسٌ وتميمُ وأسدٌ، فإن هؤلاءِ هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمُه، وعليهم اتُكِلَ في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثُمَّ هذيل وبعضُ كنانة وبعضُ الطائيين، ولم يؤخذْ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذْ عن حَضَرِيٍّ قَطُّ، ولا عن سكانِ البراري ممن كانَ يسكُنُ أطرافَ بلادهم [التي تجاورُ سائر الأممِ الذينَ حولَهم، فإنَّه لم يُؤخذْ لا من لخْمٍ ولا من جذام فإنَّهم كانوا مجاورين. لأهلِ مصرَ و القبط، ولا من قُضاعةَ ولا من غسانٍ ولامن إيادٍ فإنهم كانوا مجاورين لأهلِ الشامِ و أكثرُهم نصارى يقرأون في صلاتِهم بغيرِ العربيةِ، ولا من تغلبَ ولا النمر فإنَّهم كانوا بالجزيرةِ مجاورين لليونانية ولا من بكرٍ لأنَّهم كانوا مجاورين للقبطِ و الفرسِ، و لا من عبدِ القيسِ لأنهم كانوا سكانَ البحرين مخالطين للهندِ والفرسِ، ولا من أزدِ عُمان لمخالطتِهم للهندِ والفرسِ ولا من أهلِ اليمنِ أصلًا لمخالطتِهم للهندِ و الحبشةِ ولولادةِ الحبشةِ فيهم، ولا من بني حنيفةَ وسكانِ اليمامةِ ولا من ثقيفٍ و سكان الطائفِ لمخالطتِهم تجارَ الأممِ المقيمين عندَهم، ولا من حاضرةِ الحجازِ لأنَّ الذين نقلوا اللغةَ صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغةَ العربِ قد خالطوا غيرَهم من الأممِ وفسدتْ ألسنتُهم، والذي نقل اللغةَ
واللسانَ العربيَّ عن هؤلاءِ وأثبتَها في كتابٍ وصَيَّرَها عِلمًا وصناعةً هم أهلُ الكوفةِ والبصرةِ فقط من بين أمصارِ العربِ، وكانت صنائعُ هؤلاءِ التي يعيشون منها الرعايةَ والصيدَ واللصوصيةَ وكانوا أقواهم نفوسًا، وأقساهم قلوبًا، وأشدَّهم توحشًا وأمنعَهم جانبًا، وأشدَّهم حميّةً، وأحبَّهم لأنْ يَغلِبوا ولا يُغلَبوا، وأعسرَهم انقيادًا للملوكِ وأجفاهم أخلاقًا وأقلَّهم احتمالًا للضيمِ والذلةِ )) (5) .
وَقَدْ ذهب ابنُ خَلدونٍ في مُقَدِّمَتِهِ المذهب نفسه وبِشَيءٍ مِنَ الوَاقعيَّةِ في وَصفِهِ لبَعْضِ البيئاتِ اللغوية مِثْلَ مُضَرٍ مِنْ قُرَيشٍ وكِنَانَة وثَقيف وَبَني أسد وهُذيلٍ ومَنْ جَاوَرَهُم مِنْ خُزَاعة إذْ إنَّ سُكَّانَ هَذهِ القَبَائِلَ حَسْبَ وَصْفِهِ كانُوا أهلَ شَظَفٍ وَمَواطِنَ غَيْرَ ذَاتِ زرعٍ ولا ضرعٍ (6) .
ومن خلال مقولات الفارابي وابن خلدون وما صدر عن المقدسي في كتابه احسن التقاسيم و الهمداني، في كتابه صفة الجزيرة، نلحظ تقسيم جزيرة العرب على قسمين _مجتمعات بدوية، ومجتمعات حضرية_وهذا التقسيم يتناسب وطبيعة التحديد المجتمعي، لذلك المجتمع الذي تأثر باللسان الخارجي في زمن ما.
ومع بدايات البحث اللغوي عند العرب ذهب القدماء من اللغويين كأبي عمرو بن العلاء (154) ه، والخليل بن احمد الفراهيدي (170) ه، وعلي بن حمزة الكسائي (189) ه، الى القبائل العربية التي تمثل جماعات لغوية اكثر تجانسا واقرب الى الاستعمال المشترك للانماط اللغوية، وقد روي عن أبي عمرو اسحق بن مرار مثل ذلك العمل، قالَ أبو العباسِ ثعلبٌ: (( دخلَ أبو عمرو إسحقُ بنُ مُرارٍ الباديةَ ومعهُ دستيجان حبرًا، فما خرجَ حتى أفناهما بكتبِ سماعِهِ عن العربِ ) ) (7) ، وقد قيل إنَّ الكسائي سألَ الخليلَ: (( من أينَ أخذتَ علمَك هذا؟ فقال: من بوادي الحجازِ ونجدٍ وتِهامةَ، فخرجَ ورجعَ وقد أنفذ خمسَ عشرةَ قنينةَ حبرٍ في الكتابةِ عن العربِ سوى ما حَفِظَ ) ) (8) ، وقد أخذَ العلماءُ مادةَ بحثِهم اللغويِّ من أفواهِ الأعرابِ، فهذا الخليلُ بنُ أحمدَ (9) يأخذُ علمَهُ من باديةِ الحجازِ ونجدٍ وتهامةَ، وأبو عمرو بنُ العلاءِ الذي جاورَ البدوَ أربعينَ سنةً (10) .
إنَّ المدقق في حقيقة هذا التقسيم المجتمعي يجد ثمة ماخذا منهجيا افصحت عنه مقولات القدماء ولاسيما في تصنيفهم للاستعمالات التي صدرت عن العرب، لانهم قسموا هذه الجماعة