الاستعمالُ اللغويُّ (1) ، فقد ذَهَبَ بَعْضُهم إلى تحديدِ التنوعِ اللغويِ الفصيحِ مُعتَمِدًا في ذلكَ المجالَ الجغرافيَّ الذي تَحركَ فِيهِ عُلماءُ العربيةِ الأوائلُ -أبو عمرو بنُ العلاءِ ويونسُ بنُ حبيبٍ وعيسى بنُ عمرَ والخليلُ بنُ أحمدَ والكسائيُّ - في شبهِ جزيرةِ العربِ - إلا أنَّ التحديدَ المكانيَّ الذي يتمثلُ باللسانِ الفصيحِ لم يَكُنْ مُرتبطًا ارتباطًا وَثيقًا بالتنوعِ اللغويِّ، أي لَمْ يربطْ هؤلاءِ اللغويون المثالَ اللغويَّ بذلكَ المجالِ الجغرافيِّ بمعنى أنَّهم لم ينسبُوا الظواهرَ اللغويةَ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ إلى بيئاتِها اللغويةِ بَل اكتفَوا بوصفِ هذهِ البيئاتِ بالفصيحةِ دُونَ تحديدِ النوعِ اللغويِّ. وبعد هذه الطريقة تأتي طريقة التحليل اللغوي و وضع الخرائط اللغوية، إذ تصور لنا هذه الخرائط الانتشار الطبيعي للخصائص اللغوية التي تمثل بها الميدان المدروس، فضلا عن بيانِ جملةٍ من الظواهر اللهجية و وضعها في مكانها الصحيح على خارطة الميدان.
ومن خلال هذه المقاربة المنهجية يمكن الوصول الى فهمِ الاسسِ المنهجيةِ عند العرب التي ثبتتْ من خلال المروي من اللغة، و الأثر الذي ترتب على ذلك المروي، لأنَّ نتائج البحث عند العرب من جهة والغربيين من جهة اخرى، تكاد تكون متشابهة، لا بل حتى المنطلقات التي انطلق منها العرب في مراحل جمع اللغة وحصر القواعد، هي عينها عند الغربيين لانهم سعوا الى تقنين وضبط القواعد الصوتية. وخلاصة القول نجد أنَّ عُلَمَاء العربية القدماء خاصة قد بذلوا جهدًا كبيرًا في دراسة اللغة إذ وقفوا عند تلك الاسس بعينها، في بداية الدرس اللغوي الذي تمثل بجمع وتدوين اللغة العربية لذلك كانت محصلة عملهم هذا - بعد التصنيف- تكاد تكون قريبة من نتائج عمل الجغرافية اللغوية الحديثة، وما فاتهم في هذا المجال لا يعود إلى قصورهم ولاسيما في رسم الخرائط و ما يتعلق بها، بل يعود إلى طبيعة العمل الجغرافي في ذلك الوقت وعدم توفر وسائل الجغرافيا الحديثة. ومن خلاله أدركنا أنَّ الأعمَ الأغلبَ من الأسسِ والمبادئِ اللغويةِ في الدراسات الحديثة ولا سيما الجغرافية منها، لم تخرجْ عما أثبتها القدماء من قبلُ، اللهم إلا في بعض الجوانب المتعلقة بتسقيط المادة على خرائط الميدان المدروس إذ اعتمدوا ما يتواءم ومنهجية العصر الذي كانوا فيه، و يتمثل بالنسبة إلى البيئة اللغوية بالنص او من خلال التعريف بالراوي اللغوي الذي تمثل بهذه اللغة، علما أنَّ طبيعةَ عملهم لم تكنْ بتلك الصورة العلمية الواضحة بحيث تكون امارةً لللاحقين من العلماءِ والباحثين والنظر بتلك الاسسِ والمبادئ التي ظهرت من خلال عمليات التسجيل اللغوي.
)ينظر: الأطلس اللغوي (د. خليل محمود عساكر) 379، مجلة المجمع العلمي (القاهرة) ج 7 لسنة: 1949 م. وينظر:
2)ينظر: أسس علم اللغة: ص 133، الأطلس اللغوي (عساكر) : 379، و الجغرافية اللغوية و أطلس
برجستراسر: 119، مجلة المجمع العلمي (القاهرة) ج 37 لسنة 1976.
3)ينظر: عن مناهج العمل في الأطالس اللغوية (د. سعد مصلوح) 109، حوليات كلية دار العلوم ع (5) لسنة 1974 - 1975، الأطلس اللغوي، إعداده، و أهميته في الدراسات اللغوية د. عبد الحسين المبارك: 5. (مخطوط)
4)ينظر الاطلس اللغوي في التراث العربي دراسة في كتاب سيبويه: 11،لدكتور خالد نعيم، (ط 1) لسنة 2010،دار السياب لندن.
5)ينظر: أسس علم اللغة، لماريو باي: 132، في البلاغة العربية و الأسلوبيات اللسانية، د. سعد مصلوح: 159، جامعة الكويت، ط 1، 2003.
6)ينظر: الأطلس اللغوي (د. خليل محمود عساكر) 379، مجلة المجمع العلمي (القاهرة) ج 7 لسنة: 1949 م. وينظر:
7)الفاضل في اللغة والادب للمبرد: 113.
8)الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس: 40، ويُنظَرُ العمدة لابن رشيق القيرواني 1/ 88 - 89، وينظر الفاضل في اللغة والادب:113.
9)العمدة 1/ 88 - 89، وينظر الصاحبي في فقه اللغة: 40.
10)العمدة: 1/ 88 - 89.
11)الصاحبي في فقه اللغة: 41.
12)يُنظَرُ: البَحثُ اللغوي عند العرب د. احمد مختار عمر: 37 - 38، القاعدة النحوية تحليل ونقد، د. محمود حسن الجاسم د:55 - 56.
13)يُنظَرُ: البَحثُ اللغوي عند العرب: 38.
14)كتابُ الحروفِ للفارابي/ 145، ويُنظَرُ: المزهر لجلال الدين السيوطي: 1/ 211 - 212، وصبح الأعشى لابي العباس القلقشندي: 1/ 196.
15)مُقَدِّمةُ ابنِ خلدون لابن خلدون: 129 - 130، 555.
16)أنباه الرواة على أنباه النحاة: 1/ 224.