ثابَروا عليه؛ وَوَصَبَ الرجلُ في مالهِ وعلى مالِه يَصِبُ، كوَعَدَ يَعِدُ، وهو القياس؛ ووَصِبَ يَصِبُ، بكسر الصاد فيهما جميعًا نادر إِذا لَزِمَه وأَحْسَنَ القيامَ عليه )) (1) ؛ وقدَّمَ النادِرَ على القياس، ولم يذكر اللغويون وَصِبَ يَصِبُ، مع ما حَكَوا من وَثِق. وقولهم في جمع لَجْبةٍ (النعجةالتي قل لبنها) لَجَباتٌ، بالتحريك، وهو شاذّ، لأَن حقه التسكين، إِلاَّ أَنه كان الأَصل عندهم أَنه اسم وصف به، كما قالوا: امرأَة كَلْبة، فجمع على الأَصل، وقال بعضهم: لَجْبَة ولَجَباتٌ نادر (2) ، لأَن القياس المطرد في جمع فَعْلة، إِذا كانت صفة، تسكين العين، والتكسير لِجابٌ؛ قال مُهَلْهِلُ بن ربيعة:
عَجِبَتْ أَبناؤُنا من فِعْلِنا
إِذْ نَبيعُ الخَيْلَ بالمِعْزى اللِّجابْ (3)
قال سيبويه: (( وقالوا شِياهٌ لَجَباتٌ، فحرَّكوا الأَوسَط لأَنَّ من العرب من يقول: شاةٌ لَجَبة، فإِنما جاؤُوا بالجمع على هذا ) ) (4) ، وقول عَمْرٍو ذي الكلب:
فاجْتالَ منها لَجْبةً ذاتَ هَزَمْ،
حاشِكةَ الدِّرَّةِ، وَرْهاءَ الرَّخَمْ (5)
علما أنَّ هذه الخصائص والظواهر اللغوية هي الوافدة على اللغة، أي ليست باصول إذ لا يمكن القياس عليها في عرف اللغوي، وغير مرغوب فيها في اللسان العربي الفصيح، على عكس اللسان الغربي الذي يسعى دائما الى مراقبة ما هو مكتسبٌ و وافدٌ جديدٌ على اللسان الغربي، وهذا لا يكون الا عن طريق الحركة والترحال.
نعني بالراوي اللغوي ذلك العربي الفصيح الذي نقلت عنه اللغة العربية أي لغة الاستعمال سواء اكانت لغة نفعية ام لغة ادبية. وقدجُمِعَت المادةِ اللغويةِ من الناطقينَ بها، بالذهابِ إليهم أو مشافهتهم دون تحديدِ منهج ٍيعينُ على ترتيبِ المادةِ اللغويةِ المجموعةِ وتبويبِها (6) .
فكان اللغويونَ، يدونونَ عن الأعرابِ ما كانوا يسمعون، قالَ أبو العباسِ ثعلبٌ: (( دخلَ أبو عمرو إسحقُ بنُ مُرارٍ الباديةَ ومعهُ دستيجان حبرًا، فما خرجَ حتى أفناهما بكتبِ سماعِهِ عن العربِ ) ) (7) ، وقد سألَ الكسائي الخليلَ: (( من أينَ أخذتَ علمَك هذا؟ فقال: من بوادي الحجازِ ونجدٍ وتِهامةَ، فخرجَ ورجعَ وقد أنفذ خمسَ عشرةَ قنينةَ حبرٍ في الكتابةِ عن العربِ سوى ما حَفِظَ ) ) (8) ، وقد أخذَ العلماءُ مادةَ بحثِهم اللغويِّ من أفواهِ الأعرابِ عن طريقين،
الأولُ: الرحلةُ إلى الباديةِ والحصولُ على اللغةِ من أفواهِ الأعرابِ المقيمينَ في كبدِ الصحراءِ، فهذا الخليلُ بنُ أحمدَ (9) يأخذُ علمَهُ من باديةِ الحجازِ ونجدٍ وتهامةَ وأبو عمرو بنُ العلاءِ الذي جاورَ البدوَ أربعينَ سنةً (10) .ويتضحُ ذلكَ الجهدُ أكثرَ في ما روي عن علماءِ اللغةِ وما حوتْهُ مُصنفاتُهم التي تضمنتْ عباراتٍ توحي بهذا العملِ، وإلى جانبِ ذلكَ هنالكَ أفرادٌ (11) من القبائلِ العربيةِ ساعدوا اللغويينَ في جمعِ الغريبِ من اللغةِ وكان بعضُ هؤلاءِ يتلقونَ أجورًا تتناسبُ مع ما يقدمونَ من معلوماتٍ لغوية (12) .
أما الطريقُ الثاني فقد تمثلَ بقدومِ الأعرابِ إلى البصرةِ والكوفةِ وكانتِا على حافةِ الباديةِ، وعلى هذا الاساس، يرى الدكتورُ عبدُ الصبورِ شاهين أنَّ فكرةَ الجغرافيةِ اللغويةِ موجودةٌ في التراثِ اللغويِّ (( لكنَّها كانتْ آنذاكَ غائمةً، وذلكَ حينَ يأخذونَ روايةَ اللغةِ عن الأعرابِ في البوادي فينسبونَ ما يرونَهُ إلى قائلِهِ وإلى قبيلِتِه، وحين يضعونَ هذا المرويَّ في مقابلِ ما يرونَهُ من نفسِ المستوى عن بدويٍّ آخرَ ومن قبيلةٍ أخرى، وحين يميزونَ في روايتِهم بينَ بعضِ القبائلِ التي يصفونَها بالفصاحة ) ) (13) ، قد تبين من خلال البحث في التراث اللغوي ان نسبة المروي من الانماط والاستعمالات اللغوية، يعود في الاغلب الاعم الى الرجال، اما النساء فلا يمثلنَّ الا جزءا لا يمكن الركون اليه في تحديد قاعدة أو وصف ظاهرة، ومن النساء اللاتي ورد ذكرهن كراويات لغويات، الخنساء تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية (14) . اذ سجل سيبويه ما نُقل عنها في الاخِبار عن اسم العين (وهو ضمير) بأسم المعنى، قالت:
ترتع ما ترتعت حتى اذا ادكرت
فإنما هي إقبال وإدبار (15)
ومن النساء ايضا: حميدة بنت النعمان بن بشير الانصاري الخزرجي (16) اذا نقل عنها منع (جذام) من الصرف، قالت:
نبا الخز عن روح وانكر جلده
وعجت عجيجا من جذام المطارف (17) .
ومن النساء ايضا: الزباء بنت عمرو بن الظرب السميدع (18) ،وقد نقل عنها انهم جعلوا (( عسى ) )بمنزلة كان ومن خلال النص الذي صدر عنها اذ قالت: (( عسى الغوير ابؤسا ) ) (19) . ومن النساء ايضا درناء بنت عبعبه الجحدرية (20) . إذ جيئ بما