إنَّ حقيقة هذا التقسيم، والقول بالعزلة بين القبائل يتناسب والاسس المنهجية لعمل الاطلس اللغوي عند الغربيين، لان عملهم قائم في الاساس على مبدأ عزل الجماعات البشرية بيئيا وعرقيا.
فالعرب القدماء التزموا عملية التوزيع الجغرافي و التوزيع المجتمعي، علما أنَّ الاخير افصح عن خصائص لسانية وصف بعضها بغير الفصيحة أو الشاذة نحو قول بعض الرواة أَرِكَتِ الناقة أَركًا، فهي أَرِكةٌ، مقصور، من إِبل أُرُكٍ وأَوارِك: أَكلت الأَراك (1) ، وجمع فَعِلَةٍ على فُعُل وفواعل شاذ (2) .وقولهم: النَّاتُ: لغة في الناس على البدل الشاذ؛ وأنشد علباء بن الارقم:
يا قَبَّحَ اللَّهُ بني السِّعْلاةِ
مرو بنَ يَرْبوعٍ شِرارَ الناتِ،
غيرَ أَعِفَّاءٍ ولا أَكْياتِ (3)
والعربُ تقول: ما أَجنَّه، إذ وقع التعجّبُ منه بما أَفْعَلَه (4) ، وإِن كان كالخُلُق لأَنه ليس بلون في الجسد ولا بِخِلْقة فيه، وإِنما هو من نُقْصان العقل. ونقل عن ثعلب: جُنَّ الرجلُ وما أَجنَّه، فجاء بالتعجب من صيغة فِعل المفعول، وإِنما التعجّب من صيغة فِعْل الفاعل؛ وقيل إنَّ هذا ونحوُه شاذٌّ، لا يقُاسُ عليه، لأَنه لا يقال في المضروب ما أَضْرَبَه، ولا في المسلول ما أَسَلَّهُ (5) .و قيل: وَجِلَ يَاجَلُ ويِيجَل، أَبدلوا الواو أَلفًا كراهية الواو مع الياء وقلبوها في يِيجَل ياءً لقربها من الياء، وكسروا الياء إِشْعارًا بوجل، وهو شاذ (6) ؛
وقالوا في النَّسَبُ إِلى الحانُوت حانيٌّ وحانَوِيٌّ؛ وجاءَ قولُ تميمِ بنِ أبي مقبلٍ من بني عجلان من هوازنَ على هذا السمتِ:
وَكَيْفَ لَنَا بِالشُّرْبِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَنَا
دَوَانِقُ عِنْدَ الحَانَوِيِّ ولاَ نَقْدُ (7)
علما أنَّ بعض الباحثين والدارسين لا يرى في النص الشعري دليلًا على بيئتهِ اللغوية التي صدر عنها، لكنَّ علماءَ العربية القدماء قد اعتمدوا النص الشعري في بيان الظاهرة اللغوية وتحديدها جغرافيا (8) _
فقالَ: (حانويٌّ) في النسبِ إلى (الحانةِ) -ولا فضلَ فيما كانَ رابعه ياءً مختومًا بتاءٍ من غيره عندَ الخليلِ وسيبويهَ (9) - وهو موضعٌ يباعُ فيه الخمرُ، وقالَ ابنُ يعيشَ: (( وأصلُ حانةٍ حانيةٌ لأنه من(الحنوِّ) كأنها تحنو على من فيها لاجتماعهم فيها على اللذاذةِ، والحانوتُ مقلوبٌ منه وأصله حنووتٌ فقدمتِ اللامُ إلى موضعِ العينِ ثم قلبتْ ألفًا
لتحركها وانفتاحِ ما قبلها ... فوزنه الآنَ فلعوتٌ مقلوبٌ من فعلوتٍ )) (10) .
والوجهُ في (الحانَوِيِّ) (الحانِيُّ) من (حانيةٍ) بحذفِ تاءِ التأنيثِ ثم حذفِ الياءِ لالتقاءِ الساكنينِ وهو الوجهُ والقياسُ عند سيبويهَ والذي تمثلَ بقولِ علقمةَ بنِ عبدةَ بنِ ناشرةَ بنِ قيسِ بنِ عبدِ بنِ ربيعةَ التميميِّ:
كَأسُ عَزيزٍ مِنَ الأَعنابِ عَتَّقَها
لِبَعضِ أَربابِها حانِيَّةٌ حومُ (11)
إذْ جعلَ النسبةَ إلى الحانةِ (حانيّ) ومؤنثها (حانيةٌ) على القياسِ وحملها على مثلِ (ناجيةٍ) و (قاضٍ) (12) .
وقيل هذا نَسَبٌ شاذ البتةَ، لا أَشذَّ منه لأَنَّ حانُوتًا صحيح، وحانِيّ وحانَوِيٌّ معتل (13) ، فينبغي أَن لا يُعْتَدَّ بهذا القول.
او يوصف بالدخيل نحو كلمة (( قانون ) )كل شيء طريقُه ومقياسه. وقيل إنَّ ابن سيده يراها دَخِيلَةً، (14) ولفظة (( الكابوسُ ) ): يَنزلُ على الإِنسان؛ قال بعض اللغويين: ولا احسبه عربيا، انما هو النِّيدلانُ، وهو البَارُوك، والجَاثوم (15) ، ومثله لفظة (( الهَمْقاق والهُمقاق ) ):وهو حب يشبه حب القطن في جُمَّاحة مثل الخَشْخاش؛ قال ابن سيده: وهي مثل الخَشْخَاش إِلا أَنها صلبة ذات شعب يُقْلَى حَبُّه، وأَكله يزيد في الجماع؛ يكون في بلاد بَلْعَمِّ، واحدته هَمْقاقة (16) ، وهُمْقاقة بوزن فُعْلانة من كلام العجم (17) .
اويوصف بالنادر كقولهم: البُرْقُعُ: الذي تَلْبَسُهُ الدَّوابُّ ونِساءُ الأعرابِ، فيه خَرْقان للعَيْنَين، قال:
وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ فقد رابَني منها الغَداةَ سُفُورُها (18) و بِرْقَع اسم من أَسماء السماء، جاء على فِعْلَلٍ وهو غريب نادر (19) . وقولهم: البِلال: الماء. والبُلالة: البَلَل. والبِلال: جمع بِلَّة نادر (20) .وقولهم: حلل: حَلَّ بالمكان يَحُلُّ حُلولًا ومَحَلًا وحَلًا وحَلَلًا، بفك التضعيف نادر (21) ، وقال
صاحب اللسان (( العَرْقُ، بالسكون: العظم إِذا أُخذ عنه معظم اللحم وهَبْرُهُ وبقي عليها لحوم رقيقة طيبة فتكسر وتطبخ وتؤْخذ إِهالَتُها من طُفاحتها، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق وتُتَمَشَّش العظامُ، ولحمُها من أَطيب اللُّحْمانِ عندهم؛ وجمعه عُرَاقٌ؛ و هو جمع نادر ) ) (22) . وكذلك روى عن العرب انهم يقولون: (( وَصَبَ الرجلُ على الأَمْر إِذا واظب عليه؛ وأَوْصَبَ القومُ على الشيء إِذا