صدر عنها شاهدا على الفصل بين المتضايفين بالجار والمجرور قالت:
هما اخوا في الحرب من لا اخا له
اذا خاف يوما نبوة فدعاهما (1) .
ومن النساء، الفارعة بنت معاوية من بني قشير (2) . وقد نقل عنها فصحاء العرب تنوين الاسم الموصوف بابن المضاف الى علم:
هي ابنتكم واختكم زعمتم
لثعلبة بن نوفل ابن جسر (3) .
ومنهن ايضا فاختة بنت عدي ابن اخت الحارث بن ابي شمر الغسان (4) . استشهدوا بقولها في استعمال الضمير المنفصل بدلا من المتصل في حال تعذر الاتيان بالمتصل، قالت:
لعمرك ما خشيت على عدي
سيوف بني مقيدة الحمار
ولكني خشيت على عدي
سيوف القوم ام اياك حار (5)
ومنهن كذلك ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب (6) .التي استشهد بقولها:
تدلت على حص الرؤوس كانها
كرات غلام من كساء مؤرنب (7) .
في باب الزيادة زيادة الهمزة في مؤرنب، وكذلك في ابدالها نون التوكيد الفا، قالت:
تساور سوارا الى المجد و العلا
مفد بذمتي لئن فعلت ليفعلا (8)
وكذلك قولها في حذف كان واسمها بعد ان الشرطية:
لا تقربن الدهر آل مطرف
ان ظالما ابدا وان مظلوما (9) .
ومن النساء ايضا هند بنت عتبه بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف (10) ،وقد استشهدوا بقولها:
افي السلم اعيارا جفاء وغلظة
وفي الحرب اشباه الاماء العوارك (11)
وعلى الرغم من ذلك لم نجد في بعض المصنفات اللغوية التي عُنيت بجمع الاستعمالات اللغوية لفظة (قالت) كدليل على أنَّ هذا النص او ذاك قد سُجل سماعًا عن امرأةٍ حتى وإن كان ذلك النصُ مرويًا عنها، فضلا عن ذلك فهم في الاعم الاغلب لا يذكروهن بالاسم، مثلا: نقل الأصمعي عن امرأة من بني تميم قال: (( رأيت امرأة من تميم لم أرَ افصح منها، فسمعتها تدعو على اخرى وتقول: إن كنت كاذبة فحلبتِ قاعدة ... ) ) (12) ولم يذكر من هي!!.
بينما نجد النساء في اللسان الغربي هن اكثر استعمالًا للفصيح من اللغة (13) ،واللسان العربي كذلك، أي أنَّ لسان المراة في البيئة العربية لسان لم يتأثر بأي مؤثر خارجي لأنَّ المجتمع العربي يأبى للمراة الاختلاط بالأخر لذلك بقي لسانها فصيحا، إلآ أنَّه حبيسٌ لم يظهر للرواة.
اضف الى ذلك، أنَّ من نقل العربية لم يلتفت الى كلام الصبيان فضلا عن الاطفال والطاعنين بالسن، لأنَّ هذه الجماعات تمثل متغيرات لهجية في اللسان الفصيح، فضلا عن ذلك لم ينقلوا لنا استعمالات ذوي الحاجة، من الفقراء والمساكين والمحتاجين، ولم يدونوا استعمالات اهل الصنائع والحرفيين، لأننا ندرك حقيقة القواعد اللغوية (الصوتية والصرفية والنحوية) التي بنيت على تلك الاستعمالات في وقتها، إذ صدرت عن العرب في إطار اللغة الادبية، ولم نلحظ في كتب المطولات النحوية شيئًا من هذا القبيل.
وبناءً على ذلك، هل يعني أنَّ كلَّ فئات المجتمع العربي في جزيرة العرب قبل وبعد القرن الثاني الهجري كانوا يستعملون اللسان الفصيح الذي وصل الينا دون مزية في الاداء، أو التخصص ببعض الانماط اللغوية؟
الم يقولوا: إنَّ قريشا تنتقي الافصح او الانقى من لغات العرب؟ وقريش عندهم قطب الرحا وسرة العرب! ثم الا يشعر هذا القول بأنَّ لغة القبائل كانت خليطا وأنَّ قريشا تنتقي منها ما كان فصيحا؟
لقد وجد البحث الحديث علاقة تناسب بين الفئة التي ينتمي اليها الفرد والاستعمالات اللغوية التي بات يستعملها، اذ وجدوا الطبقات العليا في المجتمع هي الاوفر حظا في استعمال اللغة الفصحى، وتحدث عن ذلك (( بلو مفليد ) )قال: ... (( إنَّ الانماط اللسانية الجديدة غالبا ما تبدأ في الانتشار بين افراد الطبقات العليا، ومنهم يقترضها
افراد الطبقات الادنى )) (14) وعلى هذا الاساس يمكن أنَّ نمعن النظر في مقولات القدماء في وصفهم للبيئات الفصيحة، والقول بأنَّ قريشا كانت تنتقي الانقى وتختار الافصح من كلام العرب، اذًا هي تقترض من البيئات الفصيحة وهذا ما يعكس حقيقة قبيلة قريش ومستواها اللغوي بين القبائل العربية كون افرادها من الطبقات الادنى لغويًا إذاما