الصفحة 15 من 17

إن التناص ضرورة لربط العمل الأدبي بالحياة عبر الاستعانة بالنصوص الأخرى الحية سواء انتمت لعمل أدبي أو فولكلوري أو أسطوري أو تاريخي ... إلخ، أو حتى في الحد الأدنى التعبيرات الاصطلاحية في اللغة، فالتناص يجعل النص الجديد الذي يستعين به نصًّا مألوفا من ناحية، وثريًّا باستجلاب عوالم أخرى إلى عالمه؛ لتصير عناصره التكوينية في صلة ذات دلالات جديدة من ناحية أخرى، بل إن إغناء نص بمواد من نصوص أخرى هو أيضا إغناء للنصوص الأخرى وقراءة جديدة لها.

لقد تمتعت رواية ذاكرة الجسد بفضاء واسع قادر على استيعاب النصوص الأخرى، وكذلك الأجناس الأدبية الأخرى، والمظاهر الثقافية غير الأدبية، فهي استوعبت كل ما يتصل بحياة الإنسان وبفكره، من تاريخ ودين وفلسفة، وأسطورة وسياسة ... ،ما يجعلها فسيفساء من تلك الحقول المتجاورة والمتداخلة والمنسجمة، رغم تعارضها أحيانًا، ويجعلها أيضًا تفرض نفسها فنًا أدبيًا مهيمنًا على المرسل والمتلقي في آن معًا.

لقد اعتمدت الروائية أحلام مستغانمي في نصوصها (المتناصة) انطلاقا من نصوص سردية قديم متنوعة محدد الهوية كشكل، واعتمادها منطلقًا لإنجاز نص روائي حديث، فهي تسير في معالجة مادة روايتها بالاستفادة من نظرية جيرار جينيت في التناص.

التناص في ذاكرة الجسد كان متنوعًا متعددًا، ولقد حاولت حصره في الأشكال التالية: التناص الديني - التناص مع بعض نصوص الرواية العربية - توظيف الموروث الشعبي خدمة للتنااص - التناص التفاعلي مع اللوحة الفنية"الرسم"- التناص التاريخي عبر ذكر بعض الوقائع والأحداث العربية والغربية - تناص الشخصيات والأعلام الأدبية والتاريخية.

لقد وصلت أحلام مستغانمي إلى حد الإبداع التناصي الذي يرتكز على تشرب النصوص وإعادة صقلها بأسلوب جديد، حيث انصهرت النصوص عندها بعد أن تم استدعاؤها.

لقد حظيت رواية ذاكرة الجسد بمكانة هامة في الحركة الأدبية العربية المعاصرة، وذلك للجمالية السردية الفنية والشاعرية التي تمتعت بها جمل وعبارات الرواية فتمتع بها القراء. لقد هدفت هذه الدراسة للبحث عن العلاقة بين النص الأصيل للرواية والنصوص المتداخلة، أي البحث عن النصوص المرجعية التي تساعد المتلقي للوصول إلى دلالة ومعنى النص الروائي من وجهة نظر كاتبه، ولقد كانت أحلام مستغانمي ناجحة إلى حد كبير في جعل النصوص المتناصة تتفاعل مع بعضها البعض منتجة نصًا جديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت