الصفحة 2 من 17

بسلطان صمته؛ ليصبح شهيد اللغة العربية، وأوَّل كاتب قرَّر أن يموت صمتًا وقهرًا وعشقًا لها. وإلى أبي .. عساه يجد"هناك"من يتقن العربية، فيقرأ له أخيرًا هذا الكتاب .. كتابه." [1] ،أعتقد أنه ليس من العبث أن تضمن الروائية هذا الإهداء لروايتها؛ لا محالة الأمر يتعلق بحبها وعشقها للغة العربية، وهي بهذا تتجه نحو خرق القاعدة، وتصدر روايتها الأولى باللغة العربية في الجزائر سنة 1993 م عن دار الآداب ببيروت، ثم أعيد طباعتها مرات ومرات في طبعات متعددة قدم لها نزار قباني بعبارات غاية في الإمتاع؛ دليل إعجابه الشديد بشعرية هذه الرواية:"قرأتُ رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي، وأنا جالس أمام بركة السباحة في فندق سامرىند في بيروت، بعد أن فرغتُ من قراءة الرواية، خرجتْ لي أحلام من تحت الماء الأزرق، كسمكة دولفين جميلة، وشربت معي فنجان قهوة وجسدها يقطُرُ ماءً .. روايتُها دوَّختْني. وأنا نادرًا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الَدْوَخة أن النصَّ الذي قرأتُهُ يُشبهني إلى درجة التطابق. فهو مجنون، ومتوتّر، واقتحامي، ومتوحّش، وإنساني، وشهواني .. وخارج على القانون مثلي. ولو أن أحدًا طلب منّي أن أوقِّع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر .. لما تردّدتُ لحظةً واحدة .. هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتُبُني) دون أن تدري .. لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء، بجماليةٍ لا حدَّ لها .. وشراسةٍ لا حدَّ لها ... وجنونٍ لا حدّ له ... الرواية قصيدةٌ مكتوبة على كل البحور ... بحر الحب، وبحر الجنس، وبحر الإيدولوجية، وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها ومرتزقيها، وأبطالها، وقاتليها، وملائكتها وشياطينها، وأنبيائها وسارقيها .. هذه الرواية لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب، ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري، والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي .. وعندما قلتُ لصديق العمر سهيل إدريس رأيي في رواية أحلام، قال لي: لا ترفع صوتك عاليًا .. لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها، فسوف تُجنّ ... أجبتُه: دعها تُجنّ .. لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلا مجانين!!" [2] ."

عند مطالعة الرواية سنقف على مدى صدق نزار قباني عندما علق على ما كتبته أحلام بهذه الكلمات الموحية، ويقف على الأحداث التي ضمنتها الكاتبة روايتها، وهي الأحداث التي طبعت تاريخ الجزائر أثناء الثورة الجزائرية، وبعد الاستقلال وصولًا إلى الأزمة والمأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد باسم الديمقراطية والتعددية وإيديولوجيات شرقية وغربية دفعت بأبناء البلاد إلى التناحر والتطاحن والقتال.

إن ما يهمنا هنا في هذا البحث هو الوقوف على تقنية لجأت إليها الروائية أحلام مستغانمي؛ فاجأت بها عالم الأدب في الجزائر، وهي تقنية التناص، لقد أضافت هذه التقنية للرواية ما جعلها تجد مكانة لها في فن الرواية، إذ بها أصبحت الكاتبة أنموذجًا فريدًا للكتابة الروائية"النسائية"في الجزائر، وهي التي ترفض دائمًا أن تحاكم ككاتبة، وترى

(1) ذاكرة الجسد، أحلام مستغانمي، منشورات أحلام مستغانمي، بيروت، لبنان، الطبعة العشرون،2004 م.

(2) ذاكرة الجسد، الغلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت