يظهر من هذا المفهوم، وجود بذور لفكرة التناص في النقد العربي القديم، من خلال التقاطع الحاصل بين كل من الاقتباس والتناص المباشر، كما أن حديثه عن مفهوم التضمين يبقي جذور التناص لديه، لكن مع اختلاف أساليب تحديد نوعية الأخذ"وذلك أن يضمن الشعر شيئا من شعر الآخرين" [1] ، وإلى مفهوم العقد، وهو تنظيم نثر على طريق الاقتباس، أو بمفهوم الحل وهو جعل النظم نثرا، أو إلى مفهوم التلميح الذي يكون بالإشارة إلى قصة أو شعر من غير ذكر مصدر هذا الأخذ، وهنا يتطلب حضور القارئ النموذجي ليستقرأ هذا الأخذ.
إن الحديث عن نشأة التناص وبداياته الأولى كمصطلح نقدي نجد أنه كان يرد في بداية الأمر ضمن الحديث عن الدراسات اللسانية [2] ،وقد وضح مفهوم التناص العالم الروسي ميخائيل باختين من خلال كتابه (فلسفة اللغة) وعنى باختين بالتناص: الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص - أو لأجزاء - من نصوص سابقة عليها والذي أفاد منه بعد ذلك العديد من الباحثين [3] ،حتى استوى مفهوم التناص بشكل تام على يد تلميذة باختين الباحثة جوليا كرستيفا وقد أجرت كرستيفا استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغة الشعرية) وعرفت فيها التناص بأنه"التفاعل النصي في نص بعينه" [4] ،كما ترى جوليا أن"كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى" [5] .ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حول التناص وتوسع الباحثون في تناول هذا المفهوم وكلها لا تخرج عن هذا الأصل، وقد أضاف الناقد الفرنسي جيرار جينيت لذلك أن حدد أصنافًا للتناص وهي:
1 -الاستشهاد وهو الشكل الصريح للتناص
2 -السرقة وهو أقل صراحة.
3 -النص الموازي: علاقة النص بالعنوان والمقدمة والتقديم والتمهيد.
4 -الوصف النصي: العلاقة التي تربط بين النص والنص الذي يتحدث عنه.
(1) المصدر نفسه، ص 217.
(2) التناص سبيلًا إلى دراسة النص الشعري، شربل داغر، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد 16،العدد الأول، القاهرة،1997 م، ص 127.
(3) الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها، محمد بنيس، ج 3: الشعر المعاصر، دار توبقال، المغرب، ط: الأولى،1990 م، ص 183 - 185.
(4) ينظر التناص سبيلًا ... ،شربل داغر، ص 128.
(5) التناص نظريًا وتطبيقيًا، أحمد الزعبي، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع، ط:2،الأردن،2000 م، ص 12.