الصفحة 4 من 17

دعا إلى عدم الاندفاع وراء عواطفنا، لكن يمكننا قول أن التناص لم ينشأ من العدمية لكن سبقته تحولات كانت نتيجة لقراءات سابقة، وما على الناقد العربي إلا أن يترصد الخطوات ويبحث عن الجذور التأصيلية لهذا المصطلح، وقد حدد القز ويني بعض المفاهيم يمكن أن نستدرجها من فكرة الاقتباس وهو"أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث. [1] "

تثمر الدراسات الجادة في كتاب العمدة لابن رشيق على اكتشاف مدى اشتمال الموروث القديم على بوادر مفهوم التناص، فالنظر إلى السرقات التي أشار إليها ابن رشيق شكلت هاجس البحث ومدى التقارب المحقق بين كلا المفهومين، بحيث أن باب السرقات"باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وآخر فاضحة لا تخفى عن الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في"حيلة المحاضرة"بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإعارة، والمرافدة، والإستلحاق وكلها قريب من قريب". [2]

يظل الشاعر مهما كانت فطنته وسليقته الشعرية يظل في وصلة مع من سبقه من الشعراء ولا يمكن له أن يتجاوز هذا المنهج الذي خيط له بوعي منه أو بدون وعي، وقد حدد ذلك ابن رشيق في باب السرقات كما وضع أنواعا من خلالها يدور الشاعر في حلقته من الأخذ، فإن لم يكن مصطرفا كان مجتلبا أو منتحلا أو مهتد ما أو مغيرا، أو مسترفدا أو مستلحقا، فالخطاب الشعري"شخص له بعض الخصائص وان كان لا يختلف عن بقية الأشخاص من حيث خلقه، إلا أنه يتميز ببعض المقومات التي تجعل منه شاعرا دون سواه وأهم هذه الخصائص حساسيته المفرطة بما يدور حوله وقدرته على التعبير عما يختلج في نفسه من أحاسيس، وتلك القدرة ليست في أصلها فوقية ولا غيبية فهو ليس موهوب ولا يوحى إليه، وإنما من صنع مقومات منها النفسي ومنها الثقافي تساعده على بلوغ مآربه من قول الشعر، فلكي يكون ناجحا في خلقه الشعري لابد له من ثقافة شاملة واسعة تتطرق إلى كل العلوم وتضرب فيها بسهم وأهمها اللغة والشعر والتاريخ". [3]

(1) تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان والبديع، الخطيب القزويني، قرأه وكتب حواشيه وقدم له ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية سيدا، بيروت، الطبعة الأولى، 1423 ه،2002 م، ص 217.

(2) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1415 ه، 1998 م، ص 39.

(3) في ماهية النص الشعري، إطلالة أسلوبية من نافذة التراث الشعري، محمد عبد العظيم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1415 ه، 1998 م، ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت