الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها"" [1] .
تكشف الدراسات اللغوية، العربية منها وغير العربيّة، عن تشابك العلاقة النفعية الدلالية بين الوحدات اللغويّة وطرق نظمها، لأنّ اللغة، أية لغة، لها نظام تشفيريّ مُرمَّز، ولا قيمة لإشاراتها ورموزها خارج تشكيلات عناصرها السياقية، الخاضعة لرقابة غير قمعية (يمكن وصفها بالديموقراطية) تمارسها اللغة على ذاتها، وفق قوانين (صارمة /مرنة) تضمن تبادل المواقع وتوليد الدلالة، وتحقيق القصدية، فالسياق يثري العناصر بالدلالات. والعناصر تمنح السياق كينونته ووجوده، فيكتسب من المكون الصرفيّ والنحويّ جماله البلاغيّ وقيمه الدلالية، وبالتالي لا يمكن عزل فاعلية السياق عن فاعلية العناصر، فإذا أخذنا كلمات هذا البيت لبشار بن برد:
كأن مُثارَ النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
نجد كلمة ليل نكرة مرفوعة، ولم تكن منصوبة على أنّها ظرف، بل جاءت خبرًا ل"كأنّ"، فكان مثار النقع الكثيف أشبه بالليل، ولو كانت الكلمة منصوبة لتغيرت الدلالة واضطرب المعنى إذ لا يجوز أن تسند جملة"تهاوى كواكبه"إلى مُثار النقع، ولذلك يجد المتلقي استحالة في تبديل مواقع الكلمات، لأنّ أي تغيير في الترتيب أو الحركات يفسد المعنى والدلالة، ويسيء إلى غاية المرسلة اللغويّة.
رأى الجرجاني، في وحدة هذه البيت، دلالة على ارتباط المعاني بطبيعة التعالق ووظيفة العنصر النحويّة في السياق، هذه الوظيفة التي تحدّد موقعه وحركته، وتفرض على المتلقي احترام النظم وعدم المساس