النظم لغة هو الجمع والهضم والتأليف والاتساق، وهو، في رأي الجرجاني، ليس"سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض" [1] ، واصطلاحًا هو مجموع وحدات لغويّة متماسكة في نظام كليّ يضمن فرادة المتحد اللغويّ، ويحفظ سلامة تعالق وحداته المستقلة بخصائص ذاتية غير خارجة على طبيعة السياق، وغير معزولة عن كليّة النظم، فتحتفظ العناصر اللغويّة بهويتها وتكتسب من أي متحد لغوي جديد سمات ودلالات تتمايز بقدر ما تتنوع الأنساق، وتتباين القراءات والتأويلات والمقاربات.
بهذا المفهوم العام، يمكن القول إنّ فاعلية عملية الجمع والضم والتأليف والاتساق مرتبطة حكمًا بجودة الصياغة المنظمة، بمعنى آخر بدقة ترتيب عملية التعالق، وبمهارة تنسيق إجراءات التآزر بين الوحدات اللغويّة، لأنها مهارة عقلية ومعرفية تمنح النظم سلامته، وتحفظه من التشظي والتشويه، وتثبّت حضوره، وتغني دلالاته المنطقية المستمدة من تماسك البنية اللغويّة في الأجساد النصيّة الخاضعة في تراكيب بنياتها لقوانين تشكيل داخليّ عاصمة وضامنة؛ أي عاصمة سلامة عملية التنظيم، وضامنة مصداقية وجودة إنتاج الدلالة.
تضمن دقة عملية التنظيم، وحرفية استخدام عناصر اللغة، ومهارة توظيف قوانين تعالقها، ولادة مرسلة لغوية موسومة بجودة النظم وحسن التناسق والتوازن والتماسك، ومشحونة بإغراءات دلاليّة تضفي على عناصر التركيب ووحداته قيمًا جمالية، وإشارات جديدة ومتنوعة تحقّق الغرض والهدف والإفادة، فتقوى العناصر اللغوية بالسياق
(1) _ الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 3