يمتاز السياق، إذًا، بديناميكية تحويلية مضبوطة بنظام تعاليقي يتحكّم بآلية إنتاج المعاني ودلالاتها، لأنّه لا يمكن عزل معاني الكلم مجردة عن نظامها السياقي وقوانينها النحويّة، ولقد تنبّه السيرافي إلى أهمية النحو في السياق، فقال:"معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ" [1] .
إنّ هذه العمليات الهندسيّة التبادلية الجبرية من تقديم وتأخير وحذف واختزال، تعطي الألفاظ وظائف نحوية ودلالية وقوة إغراء تحرّض على كشف أسرارها وخصائصها، فالحروف، مثلًا، لا تتسم بأيّة دلالة من دون نشاطها اللغويّ ضمن التركيب، فتمخض الاستقراء اللغويّ عن دراسات غايتها البحث في خصائص الحروف، وقدرتها على تغيير دلالات الأفعال والأسماء في السياق، لتكشف عن نظامها الوظيفي، وبنائها الصوتي وارتباطه ببناء الكلمات ومعانيها [2] ، فالفعل"أحال"، على سبيل المثال، تتغير دلالاته وفق حرف الجر المتعلق به، فإذا قلنا:"أحال بالمكان"أفاد الفعل مع حرف الجر معنى"أقام حولًا"وإذا قلنا:"أحال إلى"فالفعل يستخدم لمن أنهى مهماته وأُحيل إلى التقاعد، وإذا قلنا:"أحال على"، كان الاستخدام محصورًا بإحالة موضوع ما على شخص آخر.
يزخر الموروث الثقافيّ بأمثلة توضّح وتفسّر الأغراض الدلالية والوظائف النحويّة للحروف والأسماء والأفعال، فالحروف تتبدل دلالتها بتبدل طبيعة التعالق، وفاعلية الوظيفة النحوية، فمثلًا كلمة"أو"تفيد في هذا التركيب:
(1) _ياقوت الحموي، معجم الأدباء،8/ 214.
(2) _ابن جني، سر صناعة الإعراب، ص 19