الصفحة 19 من 25

رأى علماء اللغة العربيّة أنّ مواقع العناصر اللغوية المتماثلة، لا تتمايز إلاّ بالعلامات التي تكشف عن المرتبة الوظيفيةّ والدلالية لكلّ عنصر من عناصر التركيبّ، فكان الإعراب، في رأي علماء العرب، إفصاحًا وإبانة وكشفًا [1] ، وكانت علاماته إشارات تُسهم في استنباط المعاني والتقاط إشارات السياق ودلالاته، وطاقة كمونية تتحكم في إنتاج المعاني، لأنّ"الكلمات والجمل لا تتمايز إلا به" [2] ، وبخاصة عندما تجتاح النظم السياقيّ تراكيب تمردت على ثوابت المفاهيم التعاليقية، وانساقت إلى النُظم البلاغية التي تفرض تقديمًا وتأخيرًا وحذفًا وتقديرًا، فيأتي التفاعل الدلاليّ أكثر ترميزًا وإيحاء، لأنّ اللغة والكلمات المكونة لها، في رأي بوتون،"تمثل صورة من العالم، وفي الوقت ذاته تمثل صورة لتفكير المتكلم ولحالته الشعورية" [3] ، وهذا التمثيل تعويض لحقائق لا تتبدى إلا بفهم الكلام وكشف دلالاته، فالشوق في كلام المتنبي:

أغالب فيك الشوقَ، والشوقُ أغلبُ ... وأعجب من ذا الهجرِ، والهجرُ أعجبُ

بعد أن كان مفعولًا به خاضعًا لفعل العقل، صار في السياق عينه المسند إليه المتحكم في إبراز الحدث وإعلان الغلبة، وهذا التحوّل حددته العلامة الإعرابية، فكشفت عن الصراع في ذات الشاعر بين أن يكون غالبًا أو مغلوبًا، وكذلك كانت الحال مع الهجر الذي بدأ الكلام عليه مقرونًا بخفض الهجر والتقليل من شأنه، ليتحول في التركيب عينه إلى مسند إليه أساس متمظهر بعلامات القوة والرفع والإسناد.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إنّ العلامة الإعرابية تتحكم بالهندسة الدلاليّة للتراكيب، وهذا يفرض على المتلقي أن يُلم بوظائف

(1) _الجرجاني، أسرار البلاغة، تح السيد محمد رشيد رضا، دار الفكر، ص 56.

(2) _ السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 1، ص 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت