العلامات الإعرابية والدلالية، وأن يُحسن دقة استخدامها، ويستوعب آلياتها الإنتاج، وإجراءاتها المنطقيّة، وغاياتها القصديّة، ولقد نبّه علماء اللغة العربيّة إلى ربط دقة المعاني بفهم عميق لعلامات الإعراب، وظهر ذلك في كلام الكسائي على وظيفة النحو الدلاليّة في حواره مع الفقيه أبي يوسف القاضي الذي ذم النحو، فقال"ماذا تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتلُ غلامِك، وقال له آخر: أنا قاتلٌ غلامَك، أيٌّهما كنت تأخذ به؟ قال: آخذهما جميعًا، فقال له أخطأت"؛ لأنّ القول الذي يحاسب عليه الرجل في قتل الغلام هو:"أنا قاتلُ غلامِك"لأنّ الاسم المشتق بإضافته أفاد الحدث الماضي، وأما القول:"أنا قاتلُ غلامَك"لأنّه مستقبل ولم يقع ولا تكون المحاسبة على أمر لم يقع [1] .
إنّ للعلامة الإعرابيّة دورًا أساسًا في رصف الكلمات وإنتاج الدلالة، وكانت هذه العلامات، في رأي علماء العرب، نتاج الفكر المنطقي، فانصبت اهتماماتهم على معنى العلامة، وعلى فهم دلالاتها ووظائفها، وحاولوا ربط أسماء الحركات بشكل النطق، فالضمة جاءت من ضم الشفتين عند النطق بها، والفتحة من فتح الفم، وكأنه ينتصب في نطقها، والكسرة من جر الفك إلى أسفل، فكأنّه يتكسّر، ويسقط ويهوى إلى أسفل؛ وحاولوا تعليل الحركات في السياق، فرأوا أنّ الرفع يدل على العلو، فيقال ارتفع الشيء ارتفاعًا، إذا علا [2] ، ولم يهملوا دور العلامات المُقدرة على الحرف الأخير، فقسّموا الإعراب إلى ظاهر ومُقدّر، وعللوا سبب ظهور الحركة أو تقديرها على الحرف الأخير تعليلًا علميًا منطقيًا يفسّر ويؤول قيمة النشاط اللغويّ ودور الحركة في كشف الدلالة، وبخاصة عندما يتعرض السياق للتقديم والتأخير والحذف، فبحثوا عن شروط التقديم والتأخير والحذف، وفي قوانين وخصائص التعجب والنداء
(1) _ ياقوت الحمويّ، معجم الأدباء،13/ 177
(2) - الايضاح في علل النحو، ص 93 سر صناعة الإعراب ج 1،ص 30_31.