فهرس الكتاب
نجد القضية عينها في بيت لأبي الطيب يقول فيه:
لا خيلَ عندك تهديها ولا مالٌ ... فليسعدِ النطقُ إن لم تُسعدِ الحالُ.
كان تركيز المتنبي على نفي وجود القوة المعنوية نفيًا قاطعًا؛ فالخيل التي يُكنى بعددها عن الشجاعة والإقدام والبطولة، لا وجود لها، ويمكن أن تُرى بالعين المجردة، فتأكيد النفي لا يحمل التصديق أو الكذب، ولم تكن الدلالة عينها في نفي القوة المادية، لأنّ مال الشخص مخبوء والكلام عليه يجوز أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فكان النفي حصرًا على واقع آني يجمع بين المرسل والمتلقي، علمًا أن تبادل المواقع بين كلمتي"خيل"و"مال"لا يحدث تغييرًا في الوزن والموسيقى، لذلك يمكن القول إنّ ترتيب الكلمات وعلاماتها الإعرابية اقتضته غايات بلاغيّة ودلالات معنويّة، اجتماعيّة ونفسية وقيمية إنسانيّة.
يحرّض التشكيل اللغويّ نشاط السياق ويوجهه في عملية ترتيب الألفاظ الخاضعة، في تأدية المعاني، لعلامات تفرضها العلاقات السياقية الصرفية والنحوية، فيتم تحديد قيمة العنصر اللغوي ورتبته التنظيمية، ووظيفته وطبيعة ترابطه مع بقية العناصر، لأنّ العلامة الإعرابية وحدها القادرة على التمييز بين علاقات الإسناد أو التعدية أو غيرها من العلاقات، فإذا قرأنا هذا البيت لامرئ القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المالِ [1]
(1) _ امرؤ القيس، الديوان، تح محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 3، القاهرة، ص 39.