فهرس الكتاب
واختصت الضمة بعلامة المسند إليه، والفتحة بعلامة المفعولية، والكسرة بعلامة الخفض والجر، ولكنّ هذه العلامات لا تستقل بدلالاتها من دون مرموز إليه تكتسب منه وجودَها، وتكسبه، في الوقت عينه، موقعه السياقي وقيمته المعنويّة.
حظيت العلامات الإعرابيّة باهتمام علماء اللغة، ورأوا أنّها، على الرغم من استقلاليتها، فهي تُكتسب اكتسابًا في السياق، وليست من أصل البناء التركيبي للكلمة، أمّا ما كان منها ثابتًا في سكونية حرفه الأخير فلقد أطلقوا عليه صفة البناء اللفظيّ، وبحثوا عن محله الإعرابيّ وعن موقعه في الكلام، وذلك من خلال علاقته ببقية العناصر التركيبية للجملة النحويّة، وعبر الخليل بن أحمد عن ذلك بقوله:"إن الفتحة والكسرة والضمة زوائد وهنّ يلحقن الحروف ليوصل إلى التكلم به، والبناء هو الساكن لا زيادة فيه" [1] ، فكان للبناء دلالات مغايرة للإعراب، ولذلك حرص الفصحاء من العرب على استخدام البناء والإعراب، وفق ما تفرضه المعاني المحتجبة في ظلال التراكيب، ففي قول أمية بن الصلت نلمس اختلاف دلالة الأسماء الواقعة بعد"لا"باختلاف طبيعة"لا"وظيفتها في الاسم الواقع بعدها:
ولا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها ... ولا حينٌ ولا فيها مُليم [2]
جاءت"لا"الأولى والثالثة، والرابعة، تنفي الخبر عن الاسم الواقع بعدها فقط، لأنّ"لا"أفادت النفي، وكانت بمعنى"ليس"، فجاءت الكلمات معربة، أمّا"لا"الثانية"فلقد نفت الخبر عن جميع أفراد جنس المبتدأ لأنّها نافية للجنس، وجاءت الكلمة بعدها مبنية على الفتح، لأسباب نحوية وبلاغية تفضي إلى دلالات منطقية."
(1) _ سيبويه، الكتاب، ج 2، ص 315.
(2) _ البيت مأخوذ من شرح ابن عقيل، ج 1، ص 402.