فهرس الكتاب
كلمة تسأل بالجزم تغيرت دلالة الكلمة في السياق، وصار الكلام دالًا على النهي عن السؤال، وفي ذلك تعظيم لما فيه من العذاب، أما الرفع فهو على النفي، وتكون الجملة استئنافية فكان المعنى:"أرسلناك بشيرًا ونذيرًا وغير سائل، أو غير مسؤول وهذا المعنى أفصح من دلالة الجزم .." [1] .
_"وإذ ابتلى إبراهيم ربُه بكلمات" [2]
الابتلاء والاختبار يكون أفصح دلالة وأعظم قدرًا إذا كان من الله لعبده ولا يجوز أن يمتحن العبدُ ربَه ويختبره، والتمييز هنا ما كان ليحصل لولا الإفصاح، عن مواقع الكلم والتمييز بين الفاعل والمفعول به، من دون علامات الإعراب، فالحركات رموز للأصوات، والصوت اللغوي جزء رئيس من تشكيل الكلمة، وهذه الحركات هي المرشدة إلى المعاني، ولقد عبّر الزجاجي عن ذلك بقوله:"إن الأسماء لما كانت تعتو رها المعاني وتكون فاعلة ومفعولة ومضافة، ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني، جعلت حركات الإعراب تبين عن هذه المعاني، وتدل عليها ليتسع لهم في اللغة ما يريدون من تقديم وتأخير عند الحاجة" [3] .
تضمر علامات الإعراب فعلًا تحريضيًّا يحرّر الكلمات من ثباتها، ويحفّزها على التلاقي والتواصل والإسرار ومن ثم المكاشفة؛ لأنّ الحركة، في رأي ابن جني، تقلق الحرف وتزيله عن سكونه وتُحركه للالتقاء بغيره، وبهذا التلاقي والتآلف ضمن السياق تتحدد قيمة الكلمات الدلاليّة، يكتسب التركيب معنى عامًا/ خاصًا، يدين في تشكُّله إلى حركة الحروف، بوصفها وسيلة ربط، وكمون إسرار وإفصاح، ولكنّ هذه العلامات بقدر ما تتمتع به من طاقة ترميز، وفاعلية خلق، فهي تحرص على أصالتها وثباتها، فاختصت الحركات بمدلولاتها في السياق،
(1) _ الأخفش، معاني القرآن، ج 1، ص 146.
(2) _ البقرة:128.
(3) _ السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 1، ص 76 - 78.