الصفحة 2 من 9

النحويين في وضعها، ولأبي عبد الله الطُوّال آراء في حد ّالاسم والفعل والأداة نقلها البطليوسي في كتابه الحلل إذ قال: (( وقال أبو عبد الله الطُوّال: الاسم ما اعتورته المعاني وانتسبت إليه الأوصاف ) ) (16) ، وقد استند في هذا التحديد إلى أساس وظيفي (17) ، من حيث تمتّع الأسماء بالمعاني، وإمكان وصفها، وعارض هذا التحديد البطليوسي بقوله: (( غير صحيح؛ لأنّ الأفعال تعتورها المعاني، ومن الأسماء ما لا يوصف ) ) (18) ، وهذا يعني أنّ هذا الحدّ لا يمكن عدّه حدًّا جامعًا مانعًا، (( وإنّما هو رسم وتقريب، لأنّ شروط الحدّ أن يستغرق المحدود ) ) (19) ، هناك جانب من الصحّة في حدّ الطُوّال للاسم؛ لأنّ الأسماء لها معان ٍ، ويمكن أن توصف إجمالا، والأفعال تشترك معها من حيث إنّ لها معاني لا بأصالتها بذلك بل بفرعيتها على الأسماء، ولكنّها لا توصف، فصحّة هذا الحدّ تظهر في هذا الجانب منه، وهو وصف تقريبي للاسم

• حدّ الفعل:

اختلف النحاة في تحديد الفعل وعلاماته مثلما اختلفوا في تحديد الاسم وعلاماته (20) ، بدءًا من سيبويه (21) فقد وضع في كتابه حدًّا للفعل بقوله: (( وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع ) ) (22) ، فسيبويه يرى أنّ الفعل أمثلة أي (أبنية وصيغ وأوزان) أخذت من لفظ أحداث الأسماء أي (المصادر) فالفعل عنده مشتق من المصدر، ثمّ قسّم الأفعال على الماضي، والأمر، والمضارع، وهذا التقسيم الثلاثي للفعل ظلّ مستقرًّا منذ سيبويه، وقد عورض سيبويه بأنّ هناك كلمات عدّها أفعالا، ولم تؤخذ من لفظ أحداث الأسماء مثل: ليس، وعسى، ونعم، وبئس (23) . وقال بعض المحدثين (( وفي تصوّري أنّ الكلمات المعترض بها ينبغي إخراجها من طائفة الأفعال لتسلم حدود النحاة ـ وعلى رأسهم سيبويه ـ من الاعتراض ) ) (24) ، ولكن إن كانت سلامة حدود النحويين ـ ولاسيّما سيبويه ـ في إخراج هذه الكلمات من طائفة الأفعال فما الحلول التي يمكن إيجادها لتلحق بقسم آخر من أقسام الكلام، وهي في بعض جوانبها موسومة بعلامات الفعل؟

أمّا أبو عبد الله الطُوّال فقد وضع حدًّا للفعل قد يتّسم بالقصور، ويمكن أن يصدق على الجزء الأكبر من طائفة الأفعال، ولكنّه لا يمكن أن يعدّ حدًّا جامعًا، إذ قال: (( الفعل كلّ كلمة دلّت على حدوث فعل في بعض الأوقات ) ) (25) ، وهذا التحديد لا يمكن أن يحيط بالأفعال جميعها؛ لأنّ من الأفعال ما لا يدلّ على الحدث و (( لما كان الفعل يدلّ على الحدث والزمن فإنّ(كان) الناقصة وأخواتها لا تدلّ على

الحدث البتة يؤيّد ذلك معناها الوظيفي وواقع الاستعمال )) (26) .

• حدّ الأداة:

مصطلح (الأداة) من مصطلحات الكوفيين (27) ، ويقابله في المصطلح البصري (الحرف) ، وقد تكون الأدوات أشمل في المعنى من الحروف، قال السيوطي: (( وأعني بالأدوات الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف ) ) (28) ، وقد اختلف النحويون في حدّ الحروف (29) ، كما اختلفوا في حدّ الاسم والفعل، ولكنّ اختلافهم في الحرف كان أقلّ من اختلافهم في الفعل (30) ، فقد ذكر سيبويه أنّ الحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، ثمّ مثّل له بـ (ثمّ، وسوف، وواو القسم، ولام الإضافة) ونحوها (31) ، أي نحو هذه الحروف من حروف المعاني،

ورأى البطليوسي أن حدّ سيبويه صحيح لا مطعن فيه (32) ، (( واختلف في قوله: ما جاء لمعنى، فقيل: أراد ما جاء لمعنى واحد ولم يدلّ على معنيين كما يكون ذلك في الفعل لأنّ الفعل يدلّ على معنى وزمان، فقد ميّزه من الفعل، ثمّ تأوّل له أن ذلك المعنى إنّما هو في غيره، فتميّزه من الاسم الذي يدلّ على معنى في نفسه فيصير مميّزا من الفعل والاسم ) ) (33) .

وأورد البطليوسي حدّ الطوّال بقوله: (( وقال أبو عبد الله الطوّال: الأداة ما جاءت لمعنى ليست باسم ولا فعل ) ) (34) ، وهذا التحديد ـ واقعًا ـ لا يخرج عن حدّ سيبويه للحرف، إنّما هو مطابق له بالنصّ سوى أنّه استعمل مصطلحه الكوفي بقوله: (الأداة) بدلا من الحرف، وهو يريد بالأداة حرف المعنى؛ لذلك فإنّه يعدّ متابعًا لسيبويه في تحديده للحرف.

• جواز تقديم الفاعل المتّصل بضمير المفعول:

قرر النحاة أنّه لا يجوز في العربيّة عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة ولاسيّما عند جمهور البصريين (35) ، فيمتنع بالإجماع نحو (صاحبها في الدار) (36) ، لكن هناك مسألة خلاف بين النحويين في عودة الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً تتصل بموضوع الفاعل، إذ أوجب النحويون الفصل بالمفعول بين الفاعل وفعله في ثلاث مسائل (37) ، منها أن يتّصل بالفاعل ضمير المفعول، فالجمهور يوجب في ذلك في النثر تقديم المفعول (38) ، نحو قوله تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه} (39) ، وقوله تعالى: {يومَ لا ينفعُ الظالمين معذِرتُهم} (40) ؛ لأنّ في تقديم الفاعل في هذه المسألة عود للضمير على متأخّر لفظًا ورتبةً. وهي مسألة خلافيّة بين النحاة في هذا الموضع (41) ،نحو: (ضربَ غلامُه زيدًا) ، وهذه المسألة ممنوعة عند جمهور النحويين، وما ورد من ذلك تأوّلوه (42) . وأجازها أبو عبد الله الطُوّال من الكوفيين (43) ، والأخفش (ت 215 هـ) وابن جنّي من البصريين (44) ،وابن مالك (45) من الأندلسيين محتجّين في النثر بقولهم: ضربوني وضربت قومك بإعمال الثاني، وقد حكاه سيبويه في كتابه، وبقولهم: ضربته زيدًا بإبدال زيد من الهاء وهو جائز بإجماع حكاه ابن كيسان (ت 229 هـ) ، وفي كليهما ما في (ضرب غلامه زيدا) من تقديم ضمير الفاعل المتّصل به ضمير المفعول على المفعول من عودة الضمير على متأخّر لفظًا ورتبةً (46) . محتجّين شعرًا بقول النابغة (47) ، وينسب لغيره (48) :

جزى ربُّه عنّي عديَّ بن حاتمٍ ... جزاءَ الكلابِ العاديات وقد فعلْ

وذهب بعض النحويين منهم ابن الناظم (ت 686 هـ) في شرحه على الألفيّة (49) ، والشيخ خالد في شرح التصريح (50) إلى أنّ هذا التقديم يرد في الشعر ضرورة.

على حين قال ابن هشام في أوضح المسالك: (( والصحيح جوازه في الشعر فقط ) ) (51) ، وقال الخضري (ت 1287 هـ) في حاشيته: (( وبقي قول ثالث وهو الحق وهو جوازها شعرًا لا نثرًا ) ) (52) ، وقال الأشموني (ت 900 هـ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت