لفعل القسم وهو تحلفي باسقاط الخافض وعلى هذا ليست جوابا للقسم؛ لأنّها مفرد وجواب القسم لا يكون إلّا جملة وإذا امتنع أن يكون جوابا للقسم كان الفعل إخبارا بمعنى الطلب للقسم لا قسما إذ الأصل في الجواب أن يكون مذكورًا لا محذوفًا )) (102) .
ولعلّ الطُوّال في هذا الرأي قد تابع أستاذه الفراء؛ لأنّ الرأي ورد منسوبًا إليه في الهمع (103) ، وقد انتقد الأزهري إجازة فتح همزة (إنّ) عند الكوفيين، ووجوب فتحها عند الطُوّال في هذا المورد بقوله: (( وهذا لا يقدح في دعوى الإجماع السابقة عن العرب فإنّ الكوفيين ومنهم الطُوّال لم يثبت لهم سماع بذلك الموضع ) ) (104) ، والحقيقة أنّ السماع وارد برواية بيت رؤبة بفتح الهمزة، ولكن ـ في الواقع ـ أنّ الخلاف منشؤه النظر إلى جملتي القسم والمقسم عليه بتأثر أحداهما بالأخرى من حيث العمل وتفاوت نظرة النحاة إليهما في هذه المسألة، وهذا ما ذكره السيوطي إذ قال: (( وأصل هذا الخلاف أنّ جملتي القسم والمقسم عليه، هل أحداهما معمولة للأخرى، فيكون المقسم عليه مفعولا لفعل القسم أولا؟ وفي ذلك خلاف. فمن قال: نعم. فتحَ؛ لأنّ ذلك حكم إنّ إذ وقعت مفعولا. ومن قال: لا، وإنّما هي تأكيد للمقسم عليه، لا عاملة فيه كسرَ، ومن جوّز الأمرين أجاز الوجهين ) ) (105) .
ويبدو أنّ الطُوّال كان يرى ـ على وفق هذا الأساس ـ أنّ جملة القسم عاملة في المقسم عليه؛ لذلك يمكن أن يؤول مصدر من (أن) وما دخت عليه ليكون متعلّقا بجملة القسم.
• دلالة لعل:
(لعل) من الأحرف المشبهة بالفعل، تعمل عمل (إنّ) في نصبها المبتدأ باتفاق، ورفعها الخبر عند البصريين (106) ، ومعناها الغالب عليها الترجي والإشفاق؛ والفرق بينهما أن الترجي يكون في أمر محبوب، كقوله تعالى {لعلكم تفلحون} (البقرة: 189) .، والإشفاق يكون في أمر مكروه (107) ، كقوله تعالى: {لعل الساعة قريب} (الشورى: 17) .، وقيل إنها للتعليل وجعلوا منه قوله تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:44) ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين، أي اذهبا على رجائكما. (108) . وقيل تأتي للاستفهام وأثبته الكوفيون وجعلوا منه قوله تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (الطلاق: من الآية 1) وحديث (( لعلنا
أعجلناك )) (109) . وقد تأتي للتشبيه وجعلوا منه قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} (الشعراء:129) يعني كأنكم. (110)
أما أبو عبد الله الطوال فكان له رأي آخر في دلالة (لعل) وهو أنها تأتي للشك فقد ذكر السيوطي في الهمع: (( ولعل للترجي في المحبوب وللإشفاق في المكروه نحو: {لعل الساعة قريب} (111) {فلعلك باخع نفسك} (112) ولا تستعمل إلا في الممكن وزاد الأخفش والكسائي في معانيها التعليل وخرج عليه {لعله يتذكر أو يخشى} (113) وزاد الكوفيون في معانيها الاستفهام وخرج عليه وما يدريك
لعله يزكى (114) وحديث (( لعلنا أعجلناك ) )وزاد الطوال في معانيها وأكثر الكوفيين الشك والبصريون رجعوا هذه المعاني كلها إلى الترجي والإشفاق )) (115) .
ويبدو أن الطوال في رأيه هذا قد توصل إلى تلك الدلالة من خلال السياق الذي قد ترد فيه (لعل) ، فقد يصرف السياق دلالة (لعل) إلى الشك، إذ ليس شرطًا أن يكون للكلمة معنى محددًا في ذاتها وإنما الحاكم في ذلك السياق، فقد ورد في الصحاح: (( لعل كلمة شك، وأصلها عل، واللام في أولها زائدة ) ) (116) .الخاتمة
يمكننا من خلال عرض آراء الطُوّال أن ندوّن بعض النتائج التي أسفر عنها البحث، فقد تبيّن أنّ الطُوّال كان من النحويين الكوفيين المبرّزين دلّ على ذلك سعة علمه وإحاطته بآراء شيوخه الكوفيين، وعلو منزلته لدى تلميذه ثعلب، و تبيّن من خلال البحث أنّ بعض آرائه أصبحت من الأحكام النحويّة المعتمدة في النحو الكوفي عامّة، فضلا عن تفرّده ببعض الآراء النحويّة، وألفيناه يذهب مذهب البصريين في بعض الآراء، وهذا يعني أنّ للنحو البصري تأثيرا في آرائه النحويّة. ولكن ظهر أنّه التزم في بعض الآراء بمذهب بيئته الكوفة في الاعتماد على الشواهد القليلة والنادرة في تقرير الحكم النحوي. وفي آراء أخرى ظهر أنّه يحاول أن يجعل حكمه النحوي ذا عموميّة من خلال محاولته تقرير الحكم الواحد على أجزاء الظاهرة اللغويّة جميعها، ولعلّ سبب ذلك أنّه كان يرمي الى احكام القاعدة النحويّة من خلال اطّرادها على أجزاء الظاهرة اللغويّة جميعها، كما أنّه يظهر في بعض آرائه أنّه يحاول سلوك أيسر السبل في تخريج بعض ظواهر اللغة بعيدا عن التأويل النحوي الذي يركن أحيانا الى اللجوء الى تقدير مناف ٍ لبعض القواعد النحويّة.
ـــــــــــــــــــ
(1) يُنظر: بغية الوعاة:1/ 45.
(2) يُنظر: المصدر نفسه والجزء والصفحة.
(3) يُنظر: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة:72.
(4) يُنظر: بغية الوعاة:1/ 45، ونشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة:72.
(5) نزهة الألبّاء:130، والفهرست:103.
(6) يُنظر: إنباه الرواة:2/ 92.
(7) يُنظر: المفيد في المدارس النحويّة:127 ـ 128
(8) يُنظر: المرادي وكتابه توضيح مقاصد الألفيّة:512، وتاريخ العربيّة:33.
(9) يُنظر: إنباه الرواة:2/ 92، والفهرست:102.
(10) يُنظر: المفيد في المدارس النحويّة:127.
(11) يُنظر: بغية الوعاة:1/ 45، والمفيد في المدارس النحويّة:127.
(12) يُنظر: نزهة الألبّاء:130، وإنباه الرواة:2/ 92، وتاريخ العربيّة:33.
(13) يُنظر: بغية الوعاة:1/ 45، والمفيد في المدارس النحويّة:127.
(14) يُنظر: طبقات النحويين واللغويين:، ومدرسة الكوفة:84، ونشأة النحو وتاريخ