خطأ، لأنّ حروف الخفض لا تضمر، إلّا أنّه يجوز الخفض على وجه آخر، وهو أن يخفض بـ (كم) في الاستفهام كما يخفض بها في الخبر. ألا ترى أنّهم قد أجازوا النصب بها في الخبر على التشبيه لها بالاستفهام، فكذلك يخفض بها
في الاستفهام تشبيها بالخبر )) (75) . وبذلك حملوا تمييز (كم) الاستفهاميّة المجرور على تمييز (كم) الخبريّة عن طريق التشبيه؛ لأنّهم رأوا أنّه لا يمكن الركون إلى تقدير حرف جرّ، لأنّ حروف الجرّ لا تضمر. والى مثل هذا المذهب ذهب ابن عصفور (76) (ت 669 هـ) ، وأبو البركات الأنباري (77) أيضا.
والواقع أنّ رأي الطُوّال ومن وافقه في حمل تمييز (كم) الاستفهاميّة المجرور على تمييز (كم) الخبريّة أولى من الذهاب إلى تقدير حرف جرّ محذوف.
والحقيقة أنّ من الصعوبة أن تستحكم قاعدة نحويّة على ظاهرة لغويّة مثل ظاهرة تمييز (كم) الاستفهاميّة إذ ورد عن المبرّد مجيء هذا التمييز مرفوعًا نحو: (كم درهمٌ لك؟) ، وقد علل هذا الرفع مظهرًا التمييز المنصوب قائلا: (( لأنّ التمييز وقع على غيره فكأنّ التقدير: كم دانقًا درهمٌ لك، وكم قيراطا. وما أشبه ذلك ) ) (78) . فيتّضح أنّ اللغة لا تلتزم بفرضيّة النحويين في تمييز (كم) ، إذ ألجأتهم هذه الفرضيّة إلى اتّخاذ سبيل فرضيّات التقدير، كما رأينا في تقديرهم لحرف الجرّ لتمييز (كم) الاستفهاميّة المجرور، أو تقدير المبرّد هذا لتمييز ٍ منصوب عند مجيء التمييز مرفوعا، وقد جاؤوا بهذه الفرضيّات جميعها في تخريج الظاهرة من أجل الحفاظ على فرضهم الأوّل المتمثل بالقاعدة من الانتقاض (79) .
• اللام الواقعة في خبر (إنّ) :
المعروف في النحو البصري أنّ لام الابتداء معناها التوكيد، وهو تحقيق معنى الجملة وإزالة الشك فتدخل على الاسم إذا كان مبتدأ لتأكيد مضمون الجملة (80) كقوله تعالى: {ولَعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشرك ٍ} (81) ولا تدخل هذه اللام في الخبر إلّا أن تدخل (إنّ) الثقيلة، فتلزم تأخير اللام إلى الخبر نحو قولك: إنّ زيدا لمنطلِقٌ (82) ، وحقّ هذه اللام أن تقع أوّلا من حيث كانت لام الابتداء، ولام الابتداء لها صدر الكلام، فالقياس أن تقدم اللام، فتقول (لإنّ زيدا قائمٌ) في (إنّ زيدا لقائمٌ) (83) ، (( إلّا أنّهم كرهوا الجمع بين حرفي التوكيد فزحلقوا اللام الى الخبر، وكانت اللام أولى بذلك، لأنّها غير عاملة، و(إنّ) عاملة، فكان تقديم العامل أولى )) (84) .
وذهب أبو عبد الله الطُوّال ومعه هشام بن معاوية إلى أنّ هذه اللام هي جواب قسم مقدّر قبل (إنّ) (85) . حتى أنّ هذا الرأي أصبح مذهبًا للنحو الكوفي عامّة، يقول الدكتور
المخزومي: (( وأكبر الظن أنّ الكوفيين أخذوا برأيهما هذا، وعمَّموه، فعدوا اللام في قولهم: لزيدٌ قائمٌ، جواب القسم أيضا، والقسم مقدّرٌ قبله ) ) (86) ، ذكر أبو البركات الأنباري في الإنصاف ذهاب الكوفيين إلى هذا المذهب بقوله: (( ذهب الكوفيّون إلى أنّ اللام في قولهم:(لزيدٌ أفضلُ من عمرو) جواب قسم مقدّر، والتقدير: والله لزيدٌ أفضلُ من عمرو، فأضمر اليمين اكتفاءً باللام منها )) (87) ، وفصّل أبو البركات دليل الكوفيين على أنّ هذه اللام جواب القسم وليست لام الابتداء بأن (( هذه اللام يجوز أن يليها المفعول الذي يجب له النصب، وذلك نحو قولهم:(لَطَعامَك زيدٌ آكلٌ) فلو كانت هذه اللام لام الابتداء لكان يجب أن يكون ما بعدها مرفوعا، ولما كان يجوز أن يليها المفعول الذي يجب أن يكون منصوبا )) (88) ، وعلى وفق هذا الرأي فإنّه
لا وجود لـ (لام الابتداء) في النحو الكوفي وهذا ما أكّده الرضي (ت 686 هـ) عندما قال: (( ومذهب الكوفيين أنّ اللام في مثل:(لزيدٌ قائمٌ) ، جواب القسم أيضا، والقسم قبله مقدّر، فعلى هذا، ليس في الوجود عندهم، لام ابتداء )) (89) . وبذلك تتضح أهميّة آراء الطُوّال في النحو الكوفي، لأن رأيه هذا أصبح رأيا للكوفيين عامة، وإن كان رأيه هذا يترتب عليه تقدير قسم محذوف، والتمسّك بعدم التقدير أولى من التمسّك بالتقدير، (( لأنّ الأصل عدم التقدير، والتأكيد المطلوب من القسم حاصل من اللام ) ) (90) • وجوب فتح همزة (إنّ) إذا وقعت جوابا للقسم:
ذكر النحويّون مواضع عدة لوجوب كسر همزة (إنّ) لخّصها ابن مالك بقوله (91) :
فاكسر في الابتدا، وفي بدء ِ صِلَهْ ... وحيثُ (إنّ) ليمين ٍ مكمِلهْ
أو حُكيتْ بالقول ِأو حلّتْ محلْ ... حال ٍ، كزرتُهُ وإنّي ذو أملْ
وكسروا من بعد ِفعل ٍ عُلِّقا ... باللام، كاعلم إنّه لذو تُقى
وما يهمّنا من هذه المواضع الموضع الذي ترد فيه (إنّ) جوابا للقسم؛ لأنّ للطُوّال في ذلك رأيٌ. فإذا وقعت (إنّ) جواب قسم نحو: (والله إنّ زيدا قائمٌ) وجب الكسر، وهذا مذهب البصريين وبه ورد السماع (92) ، وذكر الأزهري في وجوب كسر همزة إنّ إطلاقا في هذا المورد بقوله: (( ولو أضمر الفعل أي فعل القسم وذكرت اللام أو لم تذكر أو ذكرت اللام وذكر فعل القسم تعيّن الكسر إجماعا من العرب نحو: والله إنّ زيدًا لقائمٌ، وحلفتُ إنّ زيدًا لقائمٌ ) ) (93) ، وعلّة وجوب كسرها في جواب القسم (( لأنّه جملة لا محالة ) ) (94) ، والبصريّون لا يجيزون غير الكسر في جواب القسم (95) ، سواء أوقعت اللام في خبر (إنّ) أم لم تقع.
وهناك رأيٌ آخرُ يقضي بجواز فتح همزة (إنّ) في جواب القسم، إذا لم يقترن خبرها باللام نسب الى المبرّد (96) ، والكوفيين (97) في نحو: (والله إنّ زيدًا قائمٌ) ، وإنّهم يفضّلون الفتح في هذا المثال على الكسر (98) ، وقد ردّه الرضي بقوله: (وفيه بعد؛ إذ لا يقع المفرد الصريح جوابا للقسم) (99) .
أمّا أبو عبد الله الطُوّال فقد تفرّد في رأيه بوجوب فتح همزة (إنّ) إذا وقعت في جواب القسم ولم يقترن خبرها باللام (100) ، فقد علّق الأزهري على بيت رؤبة برواية فتح همزة (إنّ) ، وهو القائل (101) :
أو تحلفي بربِّك العليِّ ... أنّي أبو ذيالك ِ الصبيّ
بقوله: (( والفتح عند الكسائي والبغداديين وأوجبه أبو عبد الله الطُوّال بتقدير(على) وأنّ مؤولة بمصدر معمول