الصفحة 3 من 9

: (( وقد أجاز بعض النحاة ذلك في الشعر دون النثر وهو الحق والإنصاف لأنّ ذلك إنّما ورد في الشعر ) ) (53) . ولعلّ هذا المذهب يعدّ أكثر المذاهب تقبّلا في هذه المسألة، إذ لم يعتمد الطُوّال ومن ذهب معه إلى الجواز إلّا على الشاهد

الشعري، وعلى مثالين من المنثور، وقد ردّهما الشيخ خالد الأزهري بقوله: (( وأمّا الإعمال والبدل فمستثنيان لمجيئهما على خلاف الأصل إذ الأصل والكثير الشائع تقدّم مفسِر ضمير الغائب باعتراف ابن مالك وغيره فمتى جاء ما يخالفه فلا يعوّل عليه في قياس ما ليس من بابه عليه ) ) (54) . وقد أيّد بعض المحدثين ذهاب ابن الناظم إلى جواز هذه المسألة في الشعر ضرورة، إذ قال: (( وما قاله هو صحيح، لأنّ الذين جوّزوا تقديم الفاعل الملتبس بضمير المفعول، لم يستشهدوا بآيات من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، أو من منثور العرب الفصيح، وإنّما قصروا استشهادهم على الشعر وحده، والشعر لا يمكن أن يعتمد أصلا في وضع القواعد الكليّة للعربيّة ) ) (55) . فهذه الحجّة مقبولة، وإن كانت عبارته الأخيرة في أنّ الشعر لا يمكن أن يعتمد أصلا في وضع القواعد الكليّة للعربيّة فيها نظر؛ لأنّ الشعر ـ في الواقع ـ اعتمد عليه النحاة بوصفه ركنًا أساسيًا من أركان المادّة اللغويّة التي بُنيت عليها القواعد النحويّة للعربيّة.

فالذهاب إلى جواز هذه المسألة في الشعر ليس على سبيل الضرورة هو المذهب الأقرب إلى الصواب من حيث أنّ هناك أكثر من شاهد شعري فضلا عن الشاهد المتقدّم ورد دليلا على الجواز كقول الشاعر (56) :

لمّا رأى طالِبُوهُ مصعبا ذُعِرُوا ... وكاد، لَوْ سَاعَدَ المقدُورَ، يَنْتَصِرُ

وقول الشاعر (57) :

كسا حلمُه ذا الحلم أثوابَ سؤدَدٍ ... ورقّى نداه ذا الندى في ذرا المجد

وقول حسّان (58) :

ولو أنّ مجدا ًأخلدَ الدّهرَ واحدا ... من الناس ِأبقى مجدُهُ الدّهرَ مطعِما

وقول الشاعر (59) :

جزى بنوه أبا الغيلان ِ عن كِبَر ... وحُسن ِ فِعل ٍ كَما يُجزَى سِنِمَّارُ

فهذه الشواهد وغيرها (60) تدّل على كثرة ورود هذه الظاهرة في الشعر، مما يقوّي الذهاب إلى جوازها فيه. والقول بجوازها في النثر لا تؤيّده الشواهد النثريّة، وأنّه يؤدّي إلى اهتزاز القاعدة النحويّة التي تقتضي وجوب عدم عود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة.

• جواز الرفع في تابع المنادى المبني إذا كان التابع مضافا:

قال ابن مالك (61) :

تابعَ ذي الضمّ المضافَ دونَ (الْ) ... ألزمْهُ نصبًا، كأزيدُ ذا الحيلْ

في هذا البيت يقرر ابن مالك أنّه إذا كان تابع المنادى المضموم مضافًا غير مصاحب للألف وجب نصبه نحو: يا زيدُ صاحبَ عمرو (62) ، وهذا التابع إنّما يتوجّب فيه النصب مراعاة لمحلّ المنادى، ويبين ابن هشام أحوال هذا التابع بقوله: (( وهو ما اجتمع فيه أمران، أحدهما: أن يكون نعتًا أو بيانًا أو توكيدًا، والثاني: أن يكون مضافًا مجرّدًا من(ال) نحو يا زيدُ صاحبَ عمرو و يا زيدُ أبا عبد ِ الله، و يا تيمُ كلَّهم، أو كلَّكم )) (63) .

ولأصالة نصب التابع في هذا الباب فضل على الرفع: بأن اشترك معه في التابع المفرد، والشبيه به، وخص بالتابع المضاف إضافة محضة (64) ، وهو موضوع الرأي قيد المناقشة؛ لأنّ كلّ منادى مضموم حقّ تابعه النصب (65) على الأصل؛ لأنّ أصله النصب.

ولكنّ أبا عبد الله الطُوّال ذهب مذهبًا مخالفًا في هذا التابع إذ جوّز في هذا التابع المضاف الرفع، قال القرطبي في تفسيره: (( ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافًا ـ يقصد هذا التابع ـ إلّا عند الطُوّال ) ) (66) ، والواقع أنّ الطُوّال لم يكن الوحيد الذي ذهب إلى هذا المذهب بل ذكر الأزهري أنّه (( حكي عن جماعة من الكوفيين منهم الكسائي والفرّاء والطُوّال جواز رفع المضاف من نعت وتوكيد وتبعهم ابن الأنباري ) ) (67) .

وقد يكون الدافع وراء ذهاب الطُوّال ومن وافقه إلى هذا الرأي أنّه أراد اطّراد حكم جواز الرفع والنصب على تابع المنادى المضموم عمومًا سواء أكان هذا التابع مفردًا، أو مضافًا إضافة محضة، أو غير محضة؛ لأنّه (( ما سوى المضاف المذكور يجوز رفعه ونصبه، وهو المضاف المصاحب لأل، والمفرد. فتقول: يا زيدُ الكريمُ الأب ِ برفع الكريم ونصبه، ويا زيدُ الظريفُ برفع الظريف ونصبه ) ) (68) . فأراد بذلك أن يطّرد حكم الإجازة على التابع المضاف عموما استحكامًا للقاعدة.

• حمل تمييز (كم) الاستفهاميّة المجرور على تمييز (كم) الخبريّة:

(كم) على نوعين: استفهاميّة بمعنى (أيّ عدد) وخبريّة بمعنى (كثير) (69) ، فإن كانت استفهاميّة كان تمييزها مفردًا منصوبًا؛ وإن كانت خبريّة كانت للتكثير، ويكون تمييزها مخفوضًا، ويجوز فيه الإفراد والجمع (70) . وقد جاء تمييز الاستفهاميّة منصوبًا؛ لأنّها (( في الاستفهام بمنزلة العدد المتوسط بين القليل والكثير، وهو من أحدَ عشرَ إلى تسعةَ وتسعين، وهو ينصب ما بعده فلهذا كان ما بعدها في الاستفهام منصوبًا ) ) (71) . وقد جاء تمييز (كم) الاستفهاميّة مجرورا بخلاف القاعدة، ذكر سيبويه أنّه سأل الخليل عن قولهم: على كم جذع ٍ بيتك مبنيّ؟ فقال: القياس النصب وهو قول عامّة الناس. فأمّا الذين جرّوا فإنّهم أرادوا معنى (من) ولكنّهم حذفوها تخفيفا على اللسان، وصارت على عوضًا منها (72) ، فالخليل يقدّر وجود (من) الجارّة عن طريق تصوّر البنية العميقة

للتركيب، ثمّ علل حذف (من) بعلّة نطقيّة هي (الخفّة) . وهذا قول سيبويه وجمهور النحويين، إذ إنّ أكثر النحويين يذهبون الى أنّ (جذعا) مخفوض بإضمار (من) و (على) عوضا منها (73) .

أمّا أبو عبد الله الطُوّال وهشام الكوفي والزجاج (ت 311 هـ) فلم يذهبوا إلى إضمار (من) في تمييز (كم) الاستفهاميّة المجرور (74) ، إنّما حملوا تمييزها المجرور على تمييز (كم) الخبريّة. قال الزجاج في تقدير (من) الجارّة بعد (كم) الاستفهاميّة: (( هذا التقدير عندي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت