الحال أو خفتها على النفس، وليس كذلك حديث علل ... الفقه." [1] ."
وأوجز الدكتور مازن المبارك الحديث عن تاريخ العلة منذ نشأتها حتى القرن الثالث بقوله:"إنها وجدت على ألسنة النحاة منذ وجد النحو، وإنها كانت عند سيبويه والذين عاصروه وسبقوه مستمدة من روح اللغة، معتمدة على كثرة الشواهد من حيث الدليل والبرهان، وعلى الفطرة والحس من حيث طبيعتها. ولمم تكن ذات طبيعة فلسفية وإن كانت فكرتها في الأصل مقتبسة من التفكير الفلسفي."
إن الخليل وصحبه اعتقدوا بسلامة ذوق العرب وروعة حكمتهم في أحكام اللغة فهجموا بظنهم على موطن العلة محاولين انتزاعها وتوضيحها ... وكان أسلوبهم أقرب إلى الجزم والتقرير منه إلى الجدل والتأويل، ثم تلت هؤلاء طبقة أفردت للعلة كتبًا خاصة بها فألف تلميذ سيبويه محمد بن المستنير المشهور بقطرب والمتوفى سنة 206 كتاب (العلل في النحو) . وألف بكر بن محمد المازني المتوفى سنة 248 ... (كتاب علل النحو) ... هكذا لم يبلغ القرن الثالث نهايته حتى كانت علل النحو موضوعًا ذا قيمة، ترمقه أنظار النحاة، ويكتبون فيه ويتخذون منه وسيلة امتحان واختبار.) [2] .
وأما العلة في القرن الرابع فقد استمر البحث فيها، وزاد اهتمام النحاة بها، فكثرت فيها مؤلفاتهم، وأطيلت أبحاثهم. وفيه صنفت العلل، فكانت تعليمية وقياسية ونظرية جدلية. وتأثر البحث النحوي بالنظر الفلسفي، والجدل الكلامي، والأسلوب الفقهي، وكان للبحث في العلل نصيب غير قليل، حتى بدا أن القرن الرابع هو الذي سجل طغيان الفلسفة على النحو وأرسى أسس البحث النظري فيه.
وصار واضحًا في هذا القرن تأثر النحاة بطريقة الفقهاء والمتكلمين،
(1) الخصائص ج 1/ص 48.
(2) النحو العربي: العلة النحوية ص 69 - 71.