دراسة في أسلوب تقديم المفعول به على الفاعل
م. د. ساهر حسين ناصر ... كلية التربية / جامعة ذي قار
م. د. ابراهيم صبر محمد ... كلية الاداب/ جامعة ذي قار
بسم الله الرحمن الرحيم
اللغة العربية مميزة عن باقي اللغات السامية بالمرونة في ترتيب عناصر الكلام والجملة داخل السياق في النصوص الإبداعية شعرا ونثرا وهذه المرونة منحت المبدعين حرية في توليد معان ما أمكن _ مع قيود النحو التقعيدي _ الوصول إليها.
وقد أفاد شاعرنا أبو الطيب المتنبي من ظاهرة _ تكاد تكون مميزة في شعره _ وهي تقديم ما حقه التأخير.
واقتصر البحث على الجملة الفعلية ولاسيما تقديم المفعول به على الفاعل في نماذج من شعره التي كان المفعول فيها ظاهرا واعتمدت في هذا البحث على كتب النحو والبلاغة في توطئة بينت بشكل مبسط هذه الظاهرة، أما في الجانب التطبيقي، فقد اعتمد البحث على شروح شعر المتنبي الشهيرة كالتبيان في شرح الديوان لأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ) , وباقي الشروح كشرح الواحدي (ت ... هـ) , والفتح لابن فورجة (ت ... هـ) , والعرف الطيب للشيخ اليازجي، فضلا عن آراء أبي الفتح عثمان أبن جني (ت 390 هـ) المبثوثة في اثناء هذه الشروح.
وأفاد البحث في الجانب التطبيقي أيضا من المحاضرات التي ألقاها الدكتور فالح كامل اسكندر على طلبة الدراسات العليا الدكتوراه في قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة البصرة التي كان لها دور بارز في فهم الجوانب التطبيقية للبلاغة العربية.
والله نسأل جل شأنه أن يجعل هذه الأوراق مما ينتفع بها والحمد لله رب العالمين.
التقديم بين النحويين والبلاغيين:
الجملة العربية تخضع لترتيب ينظَّم تتابع أجزائها في الهيكل الأساسي للبناء اللغوي ومن ثم تستكمل عناصر أخرى يتُّم بها التعبير وتنقل الآراء والانفعالات، فهناك التركيب الاسمي للجملة وفيه يتقدم المبتدأ ثم يتلوه الخبر، والتركيب الفعلي للجملة يبدأ بالفعل ثم الفاعل وبعده المفعول به ثم تتوالى الأجزاء الأخرى التي تكون مشتركة في الجملة الاسمية والفعلية كالحال والتمييز وغيرهما.
والحقيقة أنَّ ظاهرة التقديم والتأخير في العربية تناولها النحويون القدماء فكان سيبويه (ت 180 هـ) أول من اعتنى بالتقديم والتأخير وأشار إلى دلالات بلاغية كتقديم الفاعل والمفعول للعناية والاهتمام (1) . ودلالات تتعلق بالصنعة الشعرية كالضرورة الشعرية التي قد يؤدي فيها التقديم والتأخير إلى قبح الكلام احيانًا.
وقد تابع النحاة واللغويون سيبويه في آرائه وبعدما أصبحت البلاغة في القرن الخامس الهجري علما مستقلا أولى البلاغيون ظاهرة التقديم والتأخير اهتماما بالغا ولا سيما في عهد الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) الذي درس الظاهرة - مستفيدًا من معناها النحوي - دراسة بلاغية مفصّلة وأعطى فيها كل حالة خصوصيتها المعنوية، وقدمَّ دراسته على وفق منهج علمي دقيق.
إن دراسة التقديم والتأخير في البلاغة دراسة لأسلوب التركيب لا للتركيب نفسه. على الرغم من وجود التداخل بين بلاغة التركيب وأسلوبه وبديهي أن البلاغة تقيم مع الأسلوب علاقات وطيدة منذ زمن. فقد يتقلص الأسلوب أحيانا حتى لا يعدو أن يكون جزءا من نموذج التواصل البلاغي , وينفصل أحيانا عن هذا النموذج ويتسع حتى يكاد يمثل البلاغة بعده بلاغة مختزلة. ويصدق مثل هذا القول على العلاقة بين البلاغة والأسلوب من جهة والشعرية من جهة أخرى. فالشعرية البلاغية تركز على المقومات البلاغية وعلى استعمالها , في حين أن شعرية الأسلوب تعالج أدبية النص بعدها مجموعة من الخصائص الملازمة للغة الجمالية. وقد أبانت هذه الترابطات عبر التاريخ عن تناقضات عدة , فنظرية الأسلوب الزاهدة في الأثر (التأثير) تتعارض مع البلاغة التي تسعى إلى الإقناع عن طريق الاحتجاج. (2) الأمر الذي جعل الجرجاني ومن تابعه من البلاغيين يؤكدون على أهمية دراسة الأساليب البلاغية التي يظهر فيها الترابط بين أقسام التركيب, ومن أوضحها أسلوب التقديم والتأخير لما له من أثر في إبراز المعاني التي لا تظهر إلا من خلاله.