لم يدرس هؤلاء العلماء اللغات منفصلة، وإنما درسوها باعتبارها روافد للسان العربي الواحد الموحد، واعتمدوا ظاهرة الشيوع ـ وخاصة البصريون منهم ـ فما شاع عند جميع أو أكثر القبائل أخذ على أنه يمثل الأفصح الذي يجوز القياس عليه، وما خالف هذا الشيوع سمي لغات (32) .
وقد انتقد بعض الدارسين المحدثين هذا المنهج، يقول محمد حسين آل ياسين:"والحق أن البصريين والكوفيين أغفلوا التفريق بين اللهجات العربية واللغة المشتركة" (33) . فعلا لم يفرق هؤلاء العلماء بين ما سماه باللهجات وبين اللغة المشتركة، لأنه لم يكن عندهم لهجات في مقابل الفصحى، بل كان عندهم لهجات اتحدت في الكثير من خصائصها فكونت اللغة الشائعة، لغة الجمهور، واختلفت في البعض الأخر فكونت ما يسمى باللغات.
لكن الذي لا يمكن قبوله من طرف المنتقدين لمنهج النحاة القدماء هو اعتقادهم خطأ هؤلاء العلماء في الاعتماد على اللغات في تقنين اللسان العربي، ذلك أن أولئك النحاة لم يكونوا يعرفون ما يسمى باللغة المشتركة في مقابل اللغات القبلية الأخرى، والذين انتقدوهم اعتمدوا على هذا المفهوم، وقد رأينا خطأ هذه النظرة، وبالتالي لا نقر هؤلاء على انتقاداتهم أولئك في هذه المسألة.
ولاعتقاد بعض الدارسين بوجود لغات بعيدة ومنفصلة عن اللغة المشتركة، فإنهم لم يوافقوا النحاة القدماء الذين اعتنوا بلغتي الحجاز ونجد ووصفهم اللغات الأخرى تارة بالشذوذ الذي لا يقاس عليه، أو الضعف أو الرداءة، إلى غير ذلك من الأوصاف (34) .
وفي هذا المضمار يمكن القول بأن علاقة لغة الأدب والقرآن الكريم التي سماها هؤلاء بالمشتركة باللغات الأخرى لم تكن بعيدة بحيث يجب عليهم