لما استقر رأي هؤلاء الباحثين على وجود لغة أدبية مشتركة، بدءوا يبحثون عن أصل هذه اللغة. فذهب فريق إلى أنها لغة قريش التي نزل بها القرآن الكريم (17) ، واعتمدوا على عدة حجج لإثبات هذا الرأي، وخاصة النفوذ السياسي والاقتصادي والديني، فوجدوا أن هذا النفوذ لم يتهيأ إلا لقريش فحكموا على أن لغتها هي أصل اللغة الأدبية المشتركة، واستنتج بعضهم من كلام القدماء القائل بأن قريشا هي افصح القبائل أن هؤلاء النحاة جعلوا لغة قريش مقياسا للغة الفصحى:"وهنا وقفوا على الخطأ المنهجي الأول إذ جعلوا سنن العرب في كلامها ما سنته قريش أو تمثلته، وأخضعوا مقاييسهم لما سمعوه من ألفاظها وتراكيبها" (18) . والحقيقة أن النحاة العرب القدماء لم يجعلوا لغة قريش مقياسا للفصحى، وإنما وصفوها بأنها أفصح اللغات، والدليل على ذلك هو اعتمادهم على قبائل نجدية في أخذ اللغة مشافهة وإبعادهم قريشا من رقعة الفصاحة، يقول أبو نصر الفارابي:"كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عما في النفس. والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العرب من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليه اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ من حضري قط .. ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم" (19) .