الصفحة 8 من 22

هذا الكلام ونحوه هو الذي جعل بعض الدارسين يقعون في اتهام النحاة العرب بالتناقض، فهم من جهة يصفون لغة قريش بأنها أفصح اللغات، ومن جهة أخرى يستبعدونها من رقعة الفصاحة (20) . ولحل هذا التناقض الظاهري نقول: بأن لغة قريش كانت أفصح اللغات في الجاهلية وزمن نزول القرآن حتى نهاية القرن الأول الهجري، أما في زمن التحريات الميدانية (21) فقد دخلها اللحن وفسدت، فلم تبق فصيحة فضلا عن كونها أفصح اللغات، وبالتالي فلا تناقض في الحكم.

وقد أدى هذا الوهم ببعضهم إلى القول بأن الرواة آثروا"الأخذ عن قريش وقيس وتميم وأسد وهذيل وغيرهم ممن كانت منازلهم في وسط الجزيرة" (22) . فتوهم إبراهيم أنيس أن الرواة أخذوا عن قريش لما سمعهم يقولون بأن قريشا أفصح القبائل، وقد رأينا أن الفارابي نص على عدم الأخذ من حاضرة الحجاز. والمقصود بالأخذ هنا هو الأخذ المباشر من أفواه الفصحاء، أما رواية المأثور من كلام العرب فهو يعم كل العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ولا تسمى هذه العملية عند النحاة القدماء أخذا إنما تسمى رواية، وقد تطلق الرواية أيضا على الأخذ المباشر.

وذهب محمد حسن كامل إلى أن العلماء القدماء لو اعتمدوا على لغة قريش وحدها لكان ذلك أجدى في الكشف عن قوانين الفصحى، وهذا لاعتقاده بأن لغة قريش هي اللغة المشتركة (23) .

هذه هي آراء الفريق الذي زعم أن لغة قريش هي اللغة النموذجية المشتركة، أما أصحاب الرأي الثاني فهم يرون أن اللغة المشتركة ليست لغة قريش، وإنما هي لغة جميع العرب (24) ، وردوا على حجج القائلين بالرأي الأول بأن قريشا لم يكن لها ذلك النفوذ الذي نسبوه إليها، أما قول القدماء بأن قريشا أفصح القبائل، وأن القرآن نزل بلغتها فهو ناتج عن تعاطف هؤلاء مع قبيلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت