على هذه العاميات التي ستزداد بعدا عبر الزمان، لأنها لا ضابط لها يوقف هذا التطور، ونحن نعلم أن الوحدة اللغوية من أهم مقومات الوحدة بين الأمم.
إذا سمع أحدنا اليوم كلمة الفصحى، فأول ما يتبادر إلى ذهنه أنها تلك اللغة الراقية، لغة الأدب والعلم والثقافة، اللغة التي احتفظت بأخص خصائص العربية وهو الإعراب. ويقابل هذه الفصحى اللهجات العامية التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية في البيوت والأسواق وعند الأنس والارتخاء.
فهل كان هذا هو شأن العربية الفصيحة قديما؟ لقد أجبنا عن جزء من هذا التساؤل عند حديثنا عما سمي باللغة العربية المشتركة الأدبية في مقابل اللغات العربية الأخرى، ورأينا أن المستشرقين ومن لف لفهم من العرب المحدثين يؤمنون بهذه الفكرة. وإيمانهم بها جعلهم يقعون في خطأ آخر، وهو اعتقادهم بأن معنى الفصحى واللغات عند القدماء هو عين ما نسميه اليوم بالفصحى والعاميات.
وانطلاقا من هذا المفهوم فإنهم لاموا القدماء من النحاة على اعتبارهم (العاميات) في نظرهم لغات فصيحة، وكان الأجدى بهم أن يقصروا بحوثهم حول اللغة الفصحى العالية فقط (37) . إلا أن هؤلاء الباحثين اصطدموا بواقع مفروض، وهو أن رواة اللغة لم يكتفوا برواية الشعر والنثر الفني والقرآن الكريم فقط، بل اعتمدوا إلى جانب ذلك على مشافهة فصحاء العرب، كما أن القراءات القرآنية اعتمدت على لغات القبائل (العامية) في نظر هؤلاء، فلما اصطدموا بهذا الواقع راحوا يتخبطون، فالقراءات القرآنية لا تمثل شيئا من العامية في نظرهم، إنما تمثل تلك العناصر التي ارتقت إلى الفصحى، فاصبح يقرأ بها القرآن الكريم، وينظم بها الشعر (38) .