لكن الواقع في هذه المسالة أن اللغات الفصيحة (بالمفهوم اللغوي القديم) لم ترق إلى الفصحى حتى أصبحت لغة القرآن والشعر، إنما هي الفصحى بعينها.
فعبده الراجحي يقر من جهة أن القراءات ما هي إلا اختلافات لهجية، وهو يعتقد أن اللهجات العربية آنذاك عامية، ليست فيها خصائص الفصحى، فحلَّ المشكلة بما سماه بالعناصر اللهجية التي رقت إلى الفصحى. وهذا الفهم نفسه للفصحى هو الذي جعل إبراهيم أنيس (39) يستغرب عدم وجود شعراء كثيرين ـ وخاصة الفحول منهم ـ في القبائل الثلاث التي اعتمد عليها الرواة في أخذ اللغة، وهي قبائل: تميم وهذيل وطيِّء، فاعتقاده بأن الفصحى هي لغة الثقافة العالية، كان ينبغي أن يؤيد بوجود شعراء كثيرين في هذه القبائل الفصيحة. فهل يعقل أن تكون هذه القبائل أفصح من غيرها مع قلة شعرائها؟ وهنا نجيب عن هذا التساؤل بما ذكرناه من أنه لا علاقة بين الفصاحة قديما وبين الشعر، لأن الشعر موهبة لا تتأتى لكل من عرف لغة من اللغات.
كما أدى هذا الفهم ببعضهم إلى القول:"ليست اللغة العربية بدعا من اللغات، ومن المستحيل عقلا أن يكون فصحاء العرب ألموا تلقائيا بهذه القواعد مهما تكن سليقتهم مبرأة من كل عيب" (40) والغريب في هذا الكلام أنه يتحدث عن اللغة ثم يخلط ذلك بالحديث عن القواعد، فهل الإلمام باللغة يعني بالضرورة الإلمام بالقواعد؟ إن العكس هو الصواب، لأن القواعد تابعة للغة وليس العكس، فكل اللغات كانت غير معروفة القواعد ثم اكتشفت قواعدها فيما بعد، فهذا الخلط بين ملكة اللسان وصناعة اللغة كان من وراء الكثير من الأفكار الخاطئة عند الدارسين العرب المحدثين، ولو أنهم اطلعوا على ما قاله ابن خلدون في هذا الشأن لأمنوا هذه الزلات.