ويبدو أن كلا من الفريقين ربط بين الفصاحة وبين اللغة المشتركة، فلما ذكر القدماء أن قريشا أفصح القبائل، ظن هؤلاء أنهم يقصدون أن لغة قريش هي اللغة المشتركة النموذجية الفصحى.
والحقيقة أن ما روي من أن لغة قريش أفصح اللغات، أو أن القرآن نزل بها مثلما جاء في اللسان:"قال قتادة: كانت قريش تجتبي ـ أي تختار ـ أفضل لغات العرب حتى صار أفضل لغاتها لغتُها فنزل القرآن بها" (25) . فهذا لا يدل على أن لغة قريش هي الفصحى بمفهومها اليوم، أي اللغة المشتركة، وإنما يدل على أن قريشا كانت أفصح القبائل للسبب الذي ذكره قتادة، وكذلك لبعدها عن الأعاجم من جميع الجهات، وتعبير:"أفصح اللغات"لا يعني أن لغتها هي الفصحى، وما عداها لهجات عامية، كما هو الشأن اليوم، بدليل أخذ الرواة من كثير من القبائل العربية غير قريش، وإنما يعني هذا أنها أفصح بصيغة التفضيل، وما عداها فصيح، فلا وجه إذا في أخذ هذا الكلام للاحتجاج به على أن لغة قريش هي الفصحى، أي المشتركة بين جميع القبائل العربية.
أما قولهم بأن القرآن نزل بلغة قريش يعني أنها كانت مشتركة، فلا يحتج به عند القائلين بأن القرآن الكريم نزل باللغة المشتركة.
أما نحن فنفهم من هذا كله أن القبائل العربية كانت تتفاوت في الفصاحة بمفهومها اللغوي، أي السلامة من اللحن الناتج عن التأثر بالأعاجم، وبالتالي كانت قريش أفصح القبائل لبعدها عن الأعاجم. أما نزول القرآن بلغتها فلا يعني أنها كانت اللغة المشتركة، وإنما نزل القرآن بلغة الحجاز عامة، وبلغة قريش خاصة، ولكن ورد فيه الكثير من اللغات الأخرى كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه