والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. اهـ [1]
ما يستفاد من حادثة الساحر والراهب والغلام:
1.أن الغلام قتل نفسه بأمره وإرادته بعد أن فشل الملك في قتله مرتين، فأخبره الغلام بالطريقة التي يقتله بها (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال الملك: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني) .
2.أن هذا القتل جاء من أجل نُصرة الدعوة وإقامة الحجة على الناس ليدخلوا في دين الله تعالى، فكان هذا القتل انتصارا للدعوة، وهو غرض شرعي محمود من أجل نصرة الدين، وهو أوسع من إحداث النكاية في صفوف الأعداء في الحرب.
3.أن هذه الحادثة ذكرها القرآن على سبيل المدح وتثبيت المؤمنين، وذكر فيها أيضا كيف اختار المؤمنون القتل على الكفر، ولذلك قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآيات: قال علماؤنا: أعلمَ الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ما كان يلقاه من وحّد قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتَصَلُّبه في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ... قال الله تعالى مخبرا عن لقمان {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} سورة لقمان، الآية: 17, ورُوي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أخرجه الترمذي [2] ، وروى ابن سنجر (محمد بن سنجر) عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: (كنت أُوضِئ النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل قال: أوصني، فقال: لا تشرك بالله وإن قطعت أو حرقت بالنار .... ) [3] ، قال علماؤنا: ولقد امتُحن كثير من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقتل والصلب والتعذيب الشديد ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك، وقد مضى في النحل أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك فتأمله هناك. اهـ [4]
فأمر الغلام للملك لا يمكن أن يكون ظلما وعدوانا كما سيأتي في الإجماع الذي حكاه ابن حجر رحمه الله، ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة كما سيأتي في تفسير قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وما ورد فيها عن عمر وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما.
4.إن المؤمنين الذين آمنوا برب الغلام آثروا القتل بإرادتهم على الكفر إظهارا للدين، كما جاء في الحديث (فأمر ـ أي الملك ـ بالأخاديد في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم، ففعلوا
(1) مجموع الفتاوى، ج28/ 540.
(2) ورواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والطبراني في الكبير وابن عدي عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، وأحمد والنسائي والبيهقي عن طارق ابن شهاب، والحاكم عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، وإسناده جيد.
(3) رواه ابن ماجة في كتاب الفتن وأحمد في مسنده وهو حسن.
(4) تفسير القرطبي، ج19/ 293. ط مكتبة المعارف، دمشق.