مسألة التترس
(جواز رمي الكفار إذا اختلط بهم من لا يجوز قتله من المسلمين وغيرهم)
سبق بيان فضل الجهاد ووجوبه، وأن جهاد الكفار سبب العزة والكرامة وأن تركه سبب في الذلة والمهانة، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [1]
وقد يختلط بالكفار - الذين يقصدهم المجاهدون بالقتال - من ليس منهم ممن لا يحل قتلهم من المسلمين أو أهل الذمة أو النساء والصبيان وأمثالهم، فهل يُترك الجهاد المتعين والحالة هذه حذرا من الوقوع في الدم المحرم؟ أم أن قتل هذه الأصناف ـ عرضا لا قصدا ـ يُغتفر أمام المصالح العليا المتحققة من جهاد الكفار وأعداء الله تعالى؟، هذا السؤال - الذي يتذرع به أعداء الجهاد ليعطلوا الجهاد وليمكنوا أعداء الإسلام من أراضيهم وأعراضهم ومقدساتهم متظاهرين بالورع الفاسد في الحفاظ على من لا يجوز قتلهم من غير مقاتلة الكفار- هو محل البحث في هذا الباب, وهو ما يسمى بمسألة التترس.
قال الشيخ يوسف العييري رحمه الله (( لما كان الإقدام على العدو والانغماس فيه حاسرًا، نوع من التسبب الممحمود بقتل النفس، كانت مسألة العمليات الاستشهادية نوعًا محمودًا آخر إذا خلصت النية، لأن التسبب بالقتل كالقتل على رأي الجمهور، كما ذكرنا سالفا.
ومسألة التترس التي أجازها العلماء، هي مسألة شبيهة بمسألة العمليات الاستشهادية إلا أن بينهما فارقًا سنبينه فيما بعد، لأن من أجاز قتل المسلمين المتترس بهم لا شك أنه يجيز قتل النفس بالعمليات الاستشهادية إذا كان في ذلك مصلحة للدين، فحرمة إزهاق نفس المسلم كحرمة إزهاق نفسه بل أعظم وهي من الكبائر، قال القرطبي"أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره، أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولايحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة" [2] .
فمن أجاز قتل المسلم للمصلحة، لا بد له من أن يجيز قتل النفس للمصلحة طردًا لأصله، إلا أن الفقهاء لم يبحثوا العمليات الاستشهادية بوضعها الحالي التي عرفناها في أول البحث، لأن الوسائل تغيرت وأساليب الحرب تطورت.
والفارق الذي لا بد أن يؤخذ بالاعتبار ويفهم به كلام السلف الذين أجازوا قتل المتترس بهم، هو أن السلف أجازوا قتل المتترس بهم حال الضرورة، أما العمليات الاستشهادية فلا يقتضي جوازها إلى ضرورة ملحة كمسألة التترس، فإن المسألتين
(1) رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) تفسير القرطبي 10/ 183