الصفحة 12 من 59

حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق)، فدخولهم النار بأنفسهم لا يمكن أن يكون ظلما ولا عدوانا، ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس في التهلكة، بل إن هذا العمل يحبه الله سبحانه ويمدحه وإنه يترتب عليه من المصالح والحِكم ما لا يعلمه إلا الله.

5.إن هذا الحديث من قوة دلالته على مسألة جواز إتلاف المؤمن لنفسه من أجل مصلحة الدين استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز الانغماس في صف الكفار كما سبق ذكره، واستدل به الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على صورة أخرى من إتلاف النفس لمصلحة الدين أو لدرء مفسدة عن الدين وهي قتل الأسير نفسه خشية أن يبوح بأسرار المسلمين وسيأتي ذكر نص كلامه رحمه الله في الفصل العاشر من الباب الأول، فكأن هذا الحديث صار أصلا في المسألة تقاس عليها صورها المختلفة، ولا يجوز أن يُعترض على الاستدلال بقصة الغلام بأنه من شرع من قبلنا، لأن فعل الغلام وأصحاب الأخدود، وأيضا قصة ماشطة ابنة فرعون، كلهم أثنى على فعلهم الشارع، وأقدمت الماشطة على الموت وآثرت ما عند الله وأنطق الله رضيعها ليحثها على الإقدام لما تقاعست من أجله.

ولقد احتج بها شيخ الإسلام وغيره في المسألة وهذا من شرع من قبلنا الذي جاءت الشريعة ببيان صحته وإقراره, ولقد سقنا من الأدلة ما يؤيد هذين الحديثين من شرعنا، ولم يأت من شرعنا ما يعارض بذل النفس لأجل إعلاء كلمة الله، فكان ما في مضمون الحديثين شرعًا لنا على قول الجمهور [1] .

(1) المراد بشرع من قبلنا الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمم السابقة، ولا خلاف بين العلماء في أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يؤيده، ولا خلاف أيضا بينهم في أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إذا ورد ما يُخالفه في شرعنا، ولكن الخلاف بين العلماء فيما كان شرعا لمن قبلنا ولم يأت في شرعنا ما يؤيده أو ما يُبطله، وقول الجمهور أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يُبين عدم اعتباره، وذلك لأن حكايته مع السكوت عليه يعتبر من باب الإقرار له، غير اننا سنعرض ما يؤيد ذلك من أقوال بعض العلماء في كتب الأصول:

أ- ... ذكر صاحب كتاب"كشف الأسرار": وذهب أكثر مشايخنا وعامة المتأخرين رحمهم الله إلى أن ما ثبت بكتاب الله تعالى أنه كان من شريعة من قبلنا أو ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمنا العمل به = =على أنه شريعة نبينا ما لم يظهر ناسخه، فأما ما علم بنقل أهل الكتاب أو بفهم المسلمين من كتبهم، فإنه لا يجب اتباعه لقيام دليل موجب للعلم على أنهم حرفوا الكتب فلا يعتبر نقلهم في ذلك ولا فهم المسلمين ذلك مما في أيديهم من الكتب لتوهم أن المنقول أو المفهوم من جملة ما حرفوا وبدلوا, وكذا لا يعتبر قول من أسلم منهم فيه؛ لأنه إنما عرف ذلك بظاهر الكتاب أو بقول جماعتهم ولا حجة في ذلك.

ب- ... وفي"الموسوعة الفقهية":وقد تقرر في الأصول أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله تعالى من غير إنكار، ولم يظهر نسخه. وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة ورأي عند الشافعية. (الموسوعة الفقهية) .

ج- ... وذكر السرخسي في أصوله: فمنهم من قال: ما كان شريعة لنبي فهو باق أبدا حتى يقوم دليل النسخ فيه، وهذا حكم ثابت بالكتاب وهو قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) .

د- ... وفي"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع": وما قص الله علينا من شرائع من قبلنا من غير نسخ يصير شريعة لنا مبتدأة ويلزمنا على أنه شريعتنا لا على أنه شريعة من قبلنا لما عرف في أصول الفقه.

ه- ... وفي"تلقيح الافهام العلية بشرح القواعد الفقهية": واتفق العلماء أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بالأمر به، وإن لم يرد بجوازه فهل هو شرع لنا أو لا؟

فيه خلاف، والصواب: نعم، إن لم يرد في شرعنا ما ينسخه.

و- ... وفي"غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر": على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه فتأمل

راجع أيضا في هذه المسألة: المستصفى للغزالي ص:132 وما بعدها، والإحكام للآمدي ج2/ 186 وما بعدها، وشرح مُسَلَّم الثبوت لعبد العلي محمد الأنصاري ج2/ 184ـ185، الإحكام لابن حزم ج5/ 724، تفسير القرطبي ج7/ 38، ط دار الحديث القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت