6.إن طريق الدعاة وأتباع الرسل الصبر على الأذى والثبات على الحق ونصر الدعوة والمجاهرة بالحق في وجه الملوك والطغاة والجبابرة وإن أدى ذلك إلى القتل، فإن هذا سبيل المؤمنين، كما في قصة سحرة فرعون: {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} سورة طه، الآية: 72، 73
وكما ورد في قصة الإمام أحمد بن حنبل في محنته التي شاء الله تعالى أن يحفظ بها السنة، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} سورة السجدة، الآية: 24، هذا سبيل المؤمنين إن كانوا مستضعفين غير ممكنين، وسبيلهم إن مكن الله لهم في الأرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وهو من جنس الجهاد في سبيل الله ـ والدعوة إلى الله تعالى، ولذلك قال تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} سورة الحج، الآية: 41.
هذا سبيل المؤمنين، أما أدعياء العلم في هذا الزمان فيمهدون الأرض للطواغيت بفتاواهم المقعدة عن الجهاد، وإذا قام أتباع الرسل بمعاداة الطواغيت وإعلان البراءة منهم والعمل على خلعهم، قام هؤلاء الأدعياء يشنعون عليهم ويحرضون الطواغيت على قتلهم، كما أن من تمكن في الأرض من هؤلاء الطواغيت وعلمائهم المنافقين كانت سيرتهم موالاة أعداء الإسلام والخضوع لهم كحال حكام بلاد المسلمين الآن، وما كانت سيرتهم أبدا جهاد أعداء الله تعالى، فبهذا يتضح لك أن حال أتباع الرسل نصرة الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز} سورة الحديد، الآية: 25.
فإن المؤمنين إن كانوا مستضعفين جاهدوا بقلوبهم وألسنتهم، وإن كانوا ممكنين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا الكفار ونشروا دعوة التوحيد، وبهذا يتضح لك الفرق بين أتباع الرسل الموحدين وبين المنتفعين من أدعياء العلم الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا خدمة للمرتدين وُكلاء أعداء المسلمين من المستكبرين، وقد قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس مايشترون} سورة آل عمران، الآية: 187.
ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) سورة البقرة، الآية: 207، ومعنى يشري أي يبيع، والمقصود من الآية: أن يبذلها في الجهاد في سبيل الله أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل ابتغاء مرضاة الله وطلبا لرضاه، ومما ورد في سبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سمع إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل وهو تفسير ابن عباس لها، وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال، حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل فقرأ أبو هريرة - رضي الله عنه - (ومن الناس من يشرى نفسه