عليه لأنه مات بغير أيدي المشركين أشبه ما لو أصابه ذلك في غير المعترك، قال ابن قدامة: ولنا ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أغرنا على حي من جهينة ... وذكر الحديث، وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فذهب يسفل له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه، فلم يفرد عن الشهداء بحكم ولأنه شهيد المعركة فأشبه ما لو قتله الكفار [1] .
ومما تقدم من تعريف الشهيد وأقوال العلماء فيه يتبين أن جمهور العلماء لم يجعلوا لليد الفاعلة للقتل دورًا في صحة الحكم بالشهادة، وبهذا يتبين أنه ليس شرطًا أن يقتل المجاهد بسلاح العدو حتى يقال عنه شهيد، إنما الشهيد من قُتِل في قتال شرعي لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والمعتبر في هذا نية المقاتل، والشرع الحكيم يفرق في كثير من الأحكام بين الأعمال المتماثلة ظاهرًا بسبب القصد والنية، ومن الصور المتماثلة في الظاهر المختلفة في الحقيقة والحكم صور القتل في المعركة، فقد فرقت الشريعة بين قتيل وقتيل بسبب النية، فقد روى أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟) وفي رواية أخرى (يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ و(الرجل يقاتل غضبا ويقاتل حمية) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [2] ، فكل من هذه الأصناف المذكورة في الحديث كان يقاتل، فبينهما تماثل في الظاهر من حيث أن الجميع كان يقاتل، وفي الحقيقة بينهما مثل ما بين السماء والأرض من الفرق، فمن قاتل في سبيل الله ولتكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد، له كل ما للشهيد من جوائز ومنح وأحكام، وأما من قاتل حمية أو غضبا أو رياء وسمعة أو للمغنم فقط فقتل فليس من أحكام الشهيد في شيء،
والأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة على أن الحكم الشرعي للشهيد لا يتغير ولا يعتبر باليد القاتلة للمجاهد ولا بأداة القتل إذا كان ذلك لوجه الله وبنية خالصة لإعلاء كلمة الله، وفيما قدمناه من الأدلة كفاية في بيان صحة ما قلناه وبالله تعالى التوفيق, ويؤكد هذا الآتي:
تعريف المنتحر:
ذكر الشيخ يوسف العييري _ في كتابه - في تعريف المنتحر قال:
(( الانتحار في اللغة: هو قتل النفس كما جاء في القاموس المحيط 616.
(1) المغني 2/ 206.
(2) رواه بألفاظه المختلفة البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة والبيهقي والحاكم وأبو عوانة.