الصفحة 27 من 59

أول البحث تخرج من ابتغى وجه الله وأراد الآخرة وقصد إعلاء كلمة الله من عموم نصوص النهي عن قتل النفس ففرق بين المنتحر للدنيا ومن غمس يده في العدو لإعلاء كلمة الدين مع تيقن الموت.

لذا هل يقال عمن قتل نفسه لإعلاء كلمة الله ونكاية في أعداء الله وإرهابًا لهم بنية خالصة فهل من العدل أن يقال عنه أنه منتحر؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

ولقد سقنا هذا الكلام لما رأينا أن أعظم سبب توقف من أجله الممتنعون عن القول بجواز العمليات الاستشهادية هو أن منفذ العملية الاستشهادية يقتل نفسه بالمباشرة، ويتبين ضعف هذا المانع إذا عرفنا مناط تحريم قتل النفس أو تمني الموت.

فنقول إن الله سبحانه وتعالى حينما حرم قتل النفس كان ذلك التحريم لأن قتل النفس هو نتيجة للجزع وعدم الصبر على البلاء وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وكل هذا ناتج عن انتفاء الإيمان أو نقصه، ومنفذ العملية الاستشهادية عندما قتل نفسه هل قتلها من أجل هذه الدوافع؟ بالطبع لا، بل إن ذلك منتف عنه، ولم يقدم على ما أقدم عليه إلا لقوة إيمانه بالغيب وليقينه بما عند الله ولحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، ومما يدل على أن مناط تحريم قتل النفس ليس لذاته بل لما يسبقه من عدم إيمان بالقدر أو لنقصه، فعل الغلام فهو قاتل لنفسه وقد أثنى الشارع عليه لأنه لم يقدم على ذلك إلا رغبة بما عند الله ونصرًا لدينه، وهذا لا يصدر ممن لم يؤمن بالله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت لضر نزل بالعبد وقد تمنى هو الموت في سبيل الله ثلاثًا، فجاز ذلك لأنه ما تمناه إلا مع كمال الإيمان، وكذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة أن الرجل في آخر الزمان يمر على القبر فيقول يا ليتني مكانك، فهذا تمني للموت ممدوح قائله، لأنه ما قاله إلا بسبب فساد الزمان وسوء الأحوال، ولم يتألم لذلك إلا لأن قلبه مليء بالإيمان فتمنى الموت، فجاز له ذلك ولا تدخل هذه الصورة في النهي عن تمني الموت، وهذا ما اشتهر عن الصحابة.

إذًا تبين مما سبق من أدلة أن مناط تحريم قتل النفس أو تمني الموت لا لذات الفعل فحسب بل لما يصاحبه من عدم إيمان بالقدر إما نقص كمال أو انتفاء بالكلية، ومتى انتفى المناط وهو عدم الإيمان بالقدر المصاحب لقتل النفس أو تمني الموت جاز ذلك الفعل للمصلحة والحاجة، فما كل قتل للنفس محرم، لأن التحريم معلق بعمل القلب فمن تسبب نقص إيمانه أو انتفائه بهذا الفعل كان الفعل له محرمًا، ومن تسبب زيادة إيمانه ويقينه بالله بهذا الفعل كان الفعل له ممدوحًا ويؤجر عليه.

ومما يؤكد أنه لا فرق في التحريم بين من قتل نفسه بيده وبين من أمر غيره بقتله، مثل من أمر غيره أن يسقيه سما أو يحقنه بسم، وبين من قتل نفسه بفعل غيره كمن ألقى نفسه تحت سيارة أو قطار، فالحكم في الحالات كلها واحد طالما أن كل ذلك بسبب الجزع واليأس من رحمة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت