الفصل العاشر
مسألة قتل النفس لمصلحة الدين أو لدرء مفسدة عن الدين كعدم إفشاء الأسرار تحت التعذيب
إذا كان العلماء قد أجازوا قتل النفس لمصلحة الدين فإن قتلها لدرء مفسدة عن الدين كعدم إفشاء الأسرار تحت التعذيب أولى لأن القاعدة تقول"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
وسترى أن من أفتى فيها اعتمد في استدلاله بالسنة المطهرة على حديث الغلام الذي ذكرناه سابقا، وذكرنا أن العلماء يعتبرونه أصل هام في هذه المسألة.
"روى بن جرير الطبري أن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - اصطرع يوم الجمل مع الأشتر النخعي واختلفا ضربتين ولما رأى عبد الله أن الأشتر سينجو منه قال كلمته المشهورة (اقتلوني ومالكا) , قال الشعبي: إن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك, ولو قال بن الزبير: اقتلوني والأشتر, وكانت للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء, ثم ما زال يضطرب في يد بن الزبير حتى أفلت منه" [1] .
قال الشيخ يوسف:"وفي طلب ابن الزبير - رضي الله عنه - من أصحابه أن يقتلوه مع الأشتر دليل على جواز قتل النفس لمصلحة الدين إذا اقتضى الحال ذلك, لأن الأشتر هو الذي ألب الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما ظفر عبد الله بن الزبير به يوم الجمل رأى أن قتله سيخمد الفتنة، لذا أراد أن يفدي بنفسه من أجل إخماد الفتنة، فلما حاول الأشتر التفلت من بين يدي ابن الزبير قال ابن الزبير قولته المشهورة (اقتلوني ومالكًا) - أي الأشتر -، لأن من أراد أن يقتل الأشتر من أصحاب عبدالله أثناء الصراع لا يمكن أن يفرد الأشتر بضربة تقتله، فعلم عبدالله أن هذا مانع لأصحابه من عدم قتل الأشتر وحده، فأمرهم بذلك، وأراد أن يفدي بنفسه من أجل قتل باغ هو رأس في الفتنة, كل ذلك لمصلحة الدين، وما أظن من كان هذا فقهه لنصر الدين أن يتردد لحظة بتفجير نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للدين كهذه، ولم ينقل لنا أن أحدًا اعترض على ابن الزبير طلبه أن يقتل مع الأشتر درءً للفتنة وتخليصًا للمسلمين من رجل واحد- علمًا أن الأشتر كان باغيًا ولم يكن كافرًا-"اهـ.
-فهذه قصة بن الزبير - رضي الله عنه - حيث أمرهم بقتل نفسه لمصلحة الدين.
-وهذه قصة الغلام حيث دلهم على قتل نفسه لمصلحة الدين.
-وهذه قصة الجنود الستمائة في السفينة الذين قتلوا أنفسهم لمصلحة الدين.
-والنبي - صلى الله عليه وسلم - دل الصحابة على ما يرضي الله تعالى من عبده بأن ينغمس في أعداء الله حاسرا, وقد فعلوا رضي الله عنهم.
(1) تاريخ الطبري (5 - 194)