هؤلاء كلهم قتلوا أنفسهم لمصلحة الدين أو دلوا غيرهم على كيفية قتلهم وإن اختلفت الأساليب والطرق إلا أنهم جميعا اشتركوا في علة واحدة ألا وهي فعل ذلك لمصلحة الدين, ومعلوم أن حكم من أعان على القتل كحكم المباشر للقتل كما سيتبين من المسألة الآتية.
مسألة: إثبات أنه لا فرق بين المباشر والمعين على القتل
احتج الشيخ يوسف العييري برأي الجمهور في هذه المسألة في كتابه فقال:
(( الاقتحام على الأعداء على وجه لا ترجى معه النجاة هو أعظم سبب يدلي به المجاهد إلى العدو لقتل نفسه، والمتسبب في قتل النفس مثل المباشر لقتلها، كما أن التسبب لقتل الغير مساو لقتله، حتى أن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة رتبوا على قتل الغير بالتسبب القصاص من المتسبب كما يقتص من المباشر للقتل، وخالف في ذلك الحنفية:.
1.روى في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُتل غلام غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به [1] .
2.وروى ابن أبي شيبة قال: عن سعيد بن وهب قال خرج رجال في سفر فصحبهم رجل فقدموا وليس معهم، قال فاتهمهم أهله، فقال شريح شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلا حلفوا بالله ما قتلوه، فأتوا بهم عليا وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا فسمعت عليا يقول أنا أبو الحسن القرم فأمر بهم فقتلوا [2] .
3.وروى أيضًا قال: حدثنا أبو بكر قال حدثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت سليمان بن موسى قال في القوم يدلون جميعًا في الرجل يقتلهم جميعا به","
وروى أيضًا: حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو معاوية عن مجالد عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة أنه قتل سبعة برجل [3] .
4.قال الصنعاني: ذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى أنهم يقتلون جميعًا إذا اشتركوا في قتله، وقال: وهذا ما ذهب إليه جماهير فقهاء الأمصار وهو مروي عن علي رضي الله عنه وغيره، ثم ذكر الأقوال الأخرى وقال: وقد قوي لنا قتل الجماعة بالواحد وحررنا دليله في حواشي ضوء النهار وفي ذيلنا على الأبحاث المسددة [4] .
5.قال الشوكاني: قوله أي صاحب المتن (وجماعة بواحد) أقول قد علمنا من الحكمة في مشروعية القصاص بين العباد أن فيه للناس حياة كما قال عز وجل (ولكم في القصاص حياة) ولو كان اجتماع جماعة على قتل واحد لا يقتضي ثبوت القصاص منهم لكان هذا سببا يُتذرع به إلى قتل النفوس، فإن الزاجر الأعظم إنما هو القتل لا الدية، فإن ذلك يسهل على أهل الأموال ويسهل أيضا على الفقراء لأنهم يعذرون عن الدية بسبب فقرهم، فإذا كان القتيل ثبت قتله بفعلهم جميعا كما سيذكره المصنف فالاقتصاص منهم هو الذي تقتضيه الحكمة الشرعية الثابتة في كتاب الله عز وجل،
(1) صحيح البخاري"كتاب الديات"
(2) مصنف ابن أبي شيبة 5/ 429.
(3) المصدر السابق 5/ 429
(4) سبل السلام 3/ 493.