ولهذا شبه الله سبحانه قاتل النفس بمن قتل الناس جميعا، ورحم الله عمر بن الخطاب ورضي عنه ما كان أبصره بالمسالك الشرعية وأعرفه بما فيه المصلحة الدينية العائدة على العباد بأعظم الفائدة فقد ثبت عنه أنه قتل سبعة بواحد تمالوا على قتله وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، وهو في الموطأ بأطول من هذا ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالف عمر في ذلك [1] .
6.قال القرطبي: (وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبدالله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبدالله بن خباب كما تذبح الشاة وأخبر علي بذلك قال الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبدالله بن خباب، فقالوا كلنا قتله ثلاث مرات فقال علي لأصحابه دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه، خرج الحديثين الدارقطني في سننه, وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) قال فيه حديث غريب، وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا, لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، وبلغوا الأمل من التشفي, ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ والله أعلم) انتهى كلام القرطبي [2] .
7.قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال عمر: لو تمالأ أهل صنعاء لقتلتهم به فإن كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع، وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلي القتل غالبا كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء، كما قال علي رضي الله عنه في الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطع يده، ثم رجعا وقالا أخطأنا قال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما فدل على قطع الأيدي باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور [3] .
8.قال صاحب البحر الرائق 8/ 354: قال رحمه الله (ويقتل الجمع بالمفرد) لما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا واحدا فقتلهم عمر به وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولأن القتل بطريق التغالب والقصاص شرع حكمه للزجر فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد به فيجري القصاص عليهم جميعًا، تحقيقا لمعنى الإحياء ولولا ذلك لسد باب القصاص.
9.قال السمعاني: تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على المشتركين في القتل، وقال بعض أصحابنا إن قتل الشركاء في القتل الواحد خارج عن القياس وإنما هو ثابت بقول عمر رضى الله عنه لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، قال والمسلك الحق عندي أن المشتركين يقتلون بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى خروج آحادهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص عنهم هرج ظاهر ومفسدة عظيمة. انتهى [4]
-وما احتج به أصحاب القول بقتل المباشر وحبس المعاونين، هو مارواه الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك) فهذا كما قال البيهقي ورجح الصنعاني إرساله فلا حجة فيه.
(1) السيل الجرار 4/ 397
(2) تفسير القرطبي 2/ 251
(3) الفتاوى الكبرى 20/ 382.
(4) قواطع الأدلة في الأصول 2/ 243