يستأصلوا أو يهزموا، إذا امتنعوا وكفوا عن القتال لأجل المتترس بهم، والضرورة يقدرها أمير المسلمين في وقته ومن له السلطان في بدء الحرب وإيقافها فهو يرى ويعرف مالا يعرفه آحاد الناس أو البعيدين وليس الخبر كالمعاينة )) اهـ.
أما لو تترس العدو بنساء الكفار وصبيانهم وشيوخهم ومن هو معصوم الدم ولا يقصد بالقتل، فأن جمهور الأحناف والشافعية والحنابلة يجيزون قتلهم حتى لو لم تدع ضرورة لقتالهم، وحتى لو لم يحصل ضرر على المسلمين بتوقف القتال. [1]
قال الشوكاني في فتح القدير 5/ 447 والدسوقي 2/ 178وصاحب مغني المحتاج 4/ 244 وابن قدامة في المغني 10/ 505 كل هؤلاء نقلوا عن الجمهور قولهم بوجوب قتال العدو إذا دعت الضرورة إلى ذلك حتى لو أدى ذلك إلى هلاك الدرع الذي يحتمي به العدو، وذكر صاحب مغني المحتاج لذلك شرطين:
1 -أن يتحاشى المجاهدون ضرب الدرع ما أمكنهم، إلا إذا حدث هذا الضرب بحكم الخطأ أو بحكم الاضطرار.
2 -عدم وجود قصد قلبي إلى ضرب أفراد هذا الدرع، وإن وجد القصد الحسي اضطرارًا.
قال ابن النحاس في مشارع الأشواق 2/ 1029: لو تترس الكفار في قلعتهم بأسرى المسلمين وأطفالهم، فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم، تركناهم صيانة للمسلمين، وإلا فإن دعت ضرورة بأن تترسوا بهم في حال التحام الحرب، وكان بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا، أو كثرت نكايتهم، أو تعذر أخذ قلعتهم، جاز رميهم في الأصح، ويُتوقى المسلم بحسب الإمكان هذا مذهب الشافعي وأحمد وأجاز أبو حنيفة رميهم مطلقًا - أي بلا ضرورة - بالمنجنيق والنبل وغير ذلك، بشرط توقي المسلم مهما أمكن، وعلى هذا لو تترسوا في مركب ونحوه بالمسلمين والله أعلم.
وأما قول أصحاب الشبهات إن الجهاد الآن ينبغي أن يُترك خروجًا من الشبهات، فليعلم هؤلاء أن ضياع الدين أعظم ضررا من ضياع المال والنفس، وهؤلاء أصحاب هذا القول لو علموا أقوال العلماء التي ذكرناها سابقا لما قالوا ما قالوه، ونحن نرى أن شبهتهم هذه لا قيمة لها بعد ما ذكرناه من التفصيل، وخاصة أن ما يقوم به المجاهدون في كثير من البلدان هو من جهاد الدفع لا من جهاد الطلب.
(1) أنظر: السير الكبير 4/ 1554, و مغني المحتاج 4/ 224, و المغني لابن قدامة 10/ 504.