الصفحة 49 من 59

المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين ولكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى {ولولا رجال مؤمنون ... } الآية، قال الليث: ترك فتح حصن قدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد، فعلى هذا إن قتل مسلما فعليه كفارة، وفي الدية على عاقلته روايتان. اهـ [1]

ذكر الشيخ يوسف العييري [2] : (( لو تترس الكفار برعاياهم من المعصومين أمثال النساء والأطفال والشيوخ وأهل الذمة، فإن الجيش الإسلامي مأمور بالكف عنهم إلا إذا حدث من الكف ضرر على المسلمين فالمصلحة تبيحه، وإذا كان الدرع البشري من المسلمين فالمنع أشد ولا يجوز الإقدام على ضرب العدو مع وجود الدرع من المسلمين إلا لضرورة، فخرج لنا تفصيل وهو أن الدرع إذا كان من المعصومين من الكفار لا يجوز رميهم إلا لمصلحة، وإذا كان الدرع من المسلمين فلا يجوز رميهم إلا لضرورة.

والتفريق بين الأمرين ظاهر بما جاء في الصحيحين عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودان وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال (هم منهم) ، ورأي الجمهور أن نساء الكفار وذراريهم لا يقتلون قصدًا ولكن إذا لم يتوصل إلى قتل الأباء إلا بإصابة هؤلاء جاز ذلك، وعندما أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك للصحابة لم يضع له ضوابط أخرى تفيد أنه لا يجيزه إلا لضرورة، بل حاجة المسلمين في الإغارة على الكفار بالليل تجيز ذلك رغم أنه صلى الله عليه وسلم في حروبه يبيت القوم حتى يطلع الفجر فإذا سمع آذانا وإلا أغار، فعلم من ذلك أنه بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم الامتناع عن الإغارة بالليل لما فيها من قتل النساء والصبيان، وجعل الهجوم بالنهار، إلا أن المصلحة تبيح ذلك.

أما لو كان المتترس بهم من المسلمين فلا يجوز ذلك بحال إلا إذا أفضى الامتناع إلى تضرر عموم المسلمين والمجاهدين بترك قتال الكفار حتى لو زهقت أرواح المسلمين، فالمسلم مأجور على فعله والمقتول يبعثه الله على نيته.

والضرورة المقصودة التي تجيز استهداف الكافرين حتى لو تترسوا بالمسلمين: هي أن يهجم العدو على المسلمين فيقتل منهم أكثر ممن تترس بهم، أو يستبيح أرض المسلمين ويدخل ديارهم أو أن يخشى على المسلمين أن يحاط بهم أو

(1) المغني، ج4/ 450: 451، وراجع الإنصاف في معرفة الخلاف للمرداوي، ج4/ 129.

(2) أنظر كتاب الشيخ يوسف العييري"هل انتحرت حواء أم استشهدت"فصل في مسألة التترس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت