الصفحة 48 من 59

بذلك قتال المشركين ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان، لأن مفسدة الإعراض ـ أي الكف عن القتال ـ أعظم من مفسدة الإقدام ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية. اهـ [1]

أما من كان معهم لغرض آخر مثل معاونتهم على المسلمين والخروج معهم لقتال أهل الإسلام أو التجسس على المسلمين وإخبار الأعداء بأخبار المسلمين فهو منهم وحكمه حكمهم.

قال ابن الهمام الحنفي: ولا بأس برميهم ـ أي الكفار في حصونهم ـ وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، بل لو تترسوا بأسارى المسلمين وصبيانهم، سواء علم أنهم إن كفوا عن رميهم انهزم المسلمون أو لم يعلموا ذلك، إلا أنه لا يقصد برميهم إلا الكفار .... اهـ [2]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا. اهـ [3]

وقال ابن قدامة رحمه الله: وكذلك الحكم في فتح البثوق [4] عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز، إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف، وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية، ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام. اهـ [5]

وقال أيضا رحمه الله: وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على

(1) مغني المحتاج، ج4/ 224، ط: الحلبي، راجع حاشية ابن عابدين، ج3/ 223.

(2) فتح القدير لابن الهمام الحنفي، ج5/ 448، ط: دار الفكر، بيروت.

(3) مجموع الفتاوى، ج28/ 546: 547، وراجع ج4/ 607:608، والآية من سورة التوبة: 52.

(4) البثوق: السيول (أنظر مختار الصحاح) .

(5) المغني لابن قدامة، ج4/ 448: 449، ط مكتبة الرياض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت