-وأجازها الأحناف وأحمد والمالكية والإمام الثوري وبعض الحنابلة جوازا مطلقا مع سقوط الدية والكفارة [1] .
-أما الشافعية وجمهور الحنابلة فلم يمنعوا رمي المشركين إذا تترسوا بغيرهم أو اختلطوا بهم طالما كانت هناك ضرورة أو حاجة للمسلمين ولا يقصد مسلم ومن لا يجوز قتله بالرمي، وإن ترك الرمي في هذه الحالة يفضي إلى تعطيل الجهاد، وإن اختلفوا فيمن يقتل من المسلمين هل على قاتله الدية مع الكفارة أم الكفارة فقط، وهل تكون الدية عليه أم على العاقلة؟.
قال القرطبي رحمه الله: قال ابن العربي: جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم، ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة، قلت ـ والكلام للقرطبي ـ قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا (ثم قال رحمه الله) : قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون، ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم والله أعلم. اهـ [2]
قال الشيخ محمد عرفة الدسوقي المالكي: إن تترسوا بمسلم قوتلوا ولم يقصد الترس بالرمي. اهـ [3]
ويُلاحظ من قول من منع من قتل الترس أن هذا المنع إنما يكون في جهاد الطلب حيث يقصد المسلمون أهل الكفر في ديارهم وهذا واضح في مناط قول مالك رحمه الله حيث كان ذلك في حصار حصن أو رمي مراكب الكفار، أما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وهذه الصورة متحققة قطعا في جهاد الدفع حيث يقاتل الكفار الذين حلوا بديار المسلمين فلا مانع من قتل من لا يستحق القتل عَرَضَا لا قصدا، حيث أن الضرر عائد على كل المسلمين إذا ترك القتال حينئذ، وهذا المعنى واضح من كلام القرطبي رحمه الله، فهذا مذهب من منع من قتل الترس [4] .
قال الشيخ محمد الشربيني الخطيب رحمه الله في حكاية المذاهب في ذلك: فإن دعت الضرورة إلى رميهم ـ أي المسلمون ـ بأن تترسوا بهم حال التحام القتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم، جاز رميهم حينئذ في الأصح ونقصد
(1) أنظر: فتح القدير 5/ 448 وأحكام القرآن للجصاص 5/ 273 ومنح الجليل 3/ 151.
(2) تفسير القرطبي، ج16/ 286: 288، ط: مؤسسة مناهل العرفان.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج2/ 178، ط دار الفكر: بيروت، وراجع منح الجليل شرح مختصر خليل للشيخ محمد عليش، ط دار الفكر: بيروت.
(4) أنظر كتاب وجوب الجهاد وفضل الشهادة.