فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 22

ما يحمل طابع الفعل إلى درجة تسمح بعدّه فعلا حقيقيّا زِيدَ في آخر الكلمة لا مجرّد كاسعة. وفي العالم القديم تختلف المجريّة عن اللغات الهنديّة الأوروبيّة المجاورة لها بخلوّها ممّا يميّز المذكّر من المؤنّث وباعتمادها مبدأ التناغم الحركيّ لدلالات نحويّة مع أنّ هذا التناغم كان في أصله سمة صوتيّة.

قد يظهر مخيِّبا للأمل، من وجهة نظر معيّنة، ألاّ نجد أيّة علاقة بين الخصائص الصوتيّة والصرفيّة التركيبيّة للغة ما وبين محيطها. أيصحّ أنّ الأسس الصوريّة للّغة لا تعكس أيّ شيء من ثقافتها التي يعبّر عنها محتواها؟ الحقيقة أننا إذا ما تقصّينا الأمر اتضح لنا أنّ بعض عناصر هذه الثقافة، على الأقلّ، مرتبط بما يؤدّيه من وسائل نحويّة: هذا صحيح لا سيّما في اللغات التركيبيّة التي تفيد من سوابق ولواحق جمّة لها معنى محسوس إلى حدّ ما. ففي الكواكيوتليّة والنوتكويّة لواحق خاصّة تفيد بكلّ وضوح أنّ بعض الأحداث وقع في الساحل أو على صخوره أو في البحر نفسه؛ بينما لا تأبه اللغات في معظمها إلى مثل هذا التدقيق، بل تراه عديم الفائدة. سِمَةٌ مثل هذه تعكس في اللغتين طبيعة المحيط الطبيعيّ والمصالح الاقتصاديّة الناتجة عنه. وشبيه بذلك ما نلاحظ من أنّ شراء شيء ما، أو اتّخاذ وليمة بموادّ غذائيّة معيّنة، أو إقامة مأدبة رهانيّة مقدّسة (Potlach) على شرف أحد زعماء القبيلة، أو طلب هديّة خاصّة للاحتفال ببلوغ فتاة، يعبّر عنه في النوتكويّة بلواحق لغويّة؛ وهذا ما يجعلنا نستنتج أنّ لكلّ ذلك دلالات خاصّة في حياة القبيلة وأنّه من المكوّنات المهمّة في ثقاقفتها. وهناك نوع آخر من ارتباط اللغة بمحيطها وثقافة مجتمعها نلاحظه في الكواكيوتليّة والنوتكويّة والساليشيّة: فهي تستعمل للتمييز بين صنوف الأشياء سلاسل عدديّة مختلفة. هذا النوع من التعبير اللغويّ يشعر على الأقلّ بأنّ لأصحاب هذه اللغات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت